أسامة الديناصوري وعلاء خالد ونزهة الألم

09 مايو 2024

أسامة الديناصوري (يمين) وعلاء خالد

+ الخط -

في بداية الطريق، في الجامعة، جمعهما الشعر، والصحبة أيضاً، وحتّى الكُليّة نفسها، وسنة الميلاد أيضاً، حتّى حاصر الألم أسامة الديناصوري أولاً من بداياته، وفي نهاية رحلة ألمه التي انتهت بموته، فانفضّ عنه الشعر بعيداً، وكان النثر لدى أسامة هو بوابة بوحه الأخيرة، وكان كتابه الجميل في آخر عمره "كلبي الهرم.. كلبي الحبيب" (دار ميريت، القاهرة، 2007)، وظلّ علاء هناك في الإسكندرية يعمل بتجرّد ونباهة على مشروعه الثقافي، سواء بمواصلة الشعر أو في الإشراف على إصدار مجلّته "أمكنة"، حتى بعدما قلّ رصيده الشعري وتقلّصت مكانته عند علاء خالد أيضاً، وجاءه النثر كريماً وفي يُسر، فهل تكالب الآلام تخذل الشعر داخل الشعراء، فإذا به يطلّ على العالم في صحبة الألم، هو الآخر من بوابة النثر والارتحال والسيرة الذاتية والروايات، بعدما سكنه الألم هو الآخر في سنواته الأخيرة، وكأنّ الألم مع ميلاد صفاء النثر، بعدما قلّ لديهما رصيد الشعر، هو قدر الاثنين معاً.
كان صباحاً مباركاً مع أسامة في مقهى الحرّية بباب اللوق قبل موته بأشهر، حينما اقترب منّي أسامة فجأة، وقد كانت معرفتنا بسيطة جداً ونادرة جداً، وقال: "معي فصل من كتاب ما"، استمعت لأسامة في انتباه تامّ، كانت الفصول الأولى من كتابه الذي اكتمل، فيما بعد، تحت اسم "كلبي الهرم.. كلبي الحبيب".
كانت الكتابة لشخصٍ يكتب بدايات موته بعناية وثقة وهدوء، ومحبّة أيضاً، وكأنّه في نزهة ما مع ألمه، وكأنّه ركن ألمه على جنب وواصل نزهته هناك في هدوء، وعلّ ذلك ما حيّرني ساعتها في أسامة "ذلك الطيّب فجأة بلا ادّعاء طيبة"، طيّب ومتسامح مع ألمه، هل ذلك هو الشخص الذي كنت أتخوّف من غير سبب من النظر إلى عينيه؟ الغريب أنّ في المكان نفسه، وعلى الطاولة ذاتها التي كنت فيها مع أسامة وكتابته في مقهى الحرّية بباب اللوق، جاءني خبر موته أيضاً، أتذكّر أطياف الممرضة البسيطة في كتابته، وكأنّ أسامة ينسج من خيوط أيّام مرضه محبّة ما، طازجة بلا بلاغة ولا ميوعة في أثناء جلسات غسيل الفشل الكلوي، عاشق يداعب الغرام وهو على طاولة الألم، وكأنّه يُغيظ الألم عامداً ببهاء الصبر والكتابة. يتعامل أسامة مع شغفه الأخير بطيبة ونسيان قسوة الألم، وكأنّه يدرك قيمة الوداع بعيداً عن الميوعة.
القدر نفسه من التعامل مع الألم بتأمّل وبساطة بحسّ المُودّع تراه عند علاء خالد أيضاً، الذي ركن عمل الأعضاء جانباً، حينما مالت إليه طبيبة السونار بصدرها بعفوية الطبيبة أو "ممرّضته التي استعارت كتابه"، فتلامس الصدر من دون قصد مع طبيبة السونار، إلا أنّ الأعضاء في أوقات الألم تكون موضع تأملّ وتجرّد وخفة وتأويل فلسفي، كما حدث لعلاء في سيرة مرضه الذي سجّله في كتابه "مسار الأزرق الحزين" (دار الكرامة 2015).
فتنة أن تكون منتبها لألمك بدقّة وتجرّد بلا صراخ أو فضيحة، تلك هي نعمة وبلاغة الكتابة عند أسامة الديناصوري في "كلبي الهرم.. كلبي الحبيب" الذي أنجزه قبل رحيله في 2007، وعند علاء خالد في "مسار الأزرق الحزين"، والذي أنجزه في نهاية عقده الخامس، متّعه الله بالصحة.
أن يكون مرضك أكبر بكثير من دولاب جسدك، وأن يواصل الجسد عمله وعناده ، محارباً في مسألة وجوده... هذا ملخّص ما حدث مع أسامة الديناصوري، رحمه الله، ومعركة قائمة يواصلها علاء خالد أيضاً، بشكل ما مع ترميم ثقوب هذا الجسد، يواصلها علاء خالد بشرف وجوده، حفاظاً على هذا الجسد، الذي هو آلة الحياة ودولابها وزينتها، وأملها أيضاً، حتّى وإن تعلق الجسد بالمحاليل والخراطيم والصواميل، أثناء دخول الحمّام أو الخروج منه، ذلك كلّه بمثابة انتصار الحياة لشرف الوجود والمعرفة والجسد أيضاً، ولشرف الرحلة الإنسانية المحاطة بالآلام من أنواعها كافّة، سواء الجسدي منها أو النفسي أو الروحي، كي نزداد تأملاً للعالم ولأنفسنا أيضاً، وللآخرين.
أسامة الديناصوري كابن مجاذيب، وعلاء خالد، حفيد صعايدة قدماء يحنّ إلى برّه الغربي، فهل جاء صيدي شافياً لي أنا، ميراثاً حميماً "في الاثنين معاً" من دون أن أدري؟

720CD981-79E7-4B4F-BF12-57B05DEFBBB6
عبد الحكيم حيدر

كاتب وروائي مصري