سفيتلانا أليكسيفيتش: ما لم يقله الرجال عن الحرب

09 أكتوبر 2015
(تصوير: فاسيلي فيدوسينكو)
+ الخط -

تنطلق أعمال سفيتلانا أليكسيفيتش، الحائزة "نوبل للآداب" لعام 2015، من اشتغالاتها على استعادة أصداء الصوت الإنساني في الحروب والكوارث. مزيج مريح من العمل الصحافي والأدبي في الوقت نفسه.

بهذه الطريقة، تعيد إحياء المشاعر الإنسانية الجديدة المتولّدة في اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت: "هناك مشاعر جديدة تولّدت لدى الناس عقب كارثة تشيرنوبل النووية؛ الخوف من الإنجاب مثلاً. لقد أحدثت الكارثة خللاً جينياً هائلاً، أفضى إلى خوف من إعاقات وتشوّهات قادمة". هذا صوت من أصوات أكثر من 500 ناجٍ وناجية سجّلت الكاتبة رواياتهم عن الكارثة التي حلّت ببلدها بيلاروسيا منتصف الثمانينيات.

لا تُخفي صاحبة "وقت مستعمل" (2015) تأثّرها بالنمط الجديد للرواية الذي طوّره مواطنها أليس أداموفيتش، والذي تصفه بـ "الرواية الجماعية". إنها مجموعة من الأصوات الإنسانية التي تشكّل في تشابكها ما يشبه الجوقة الملحمية. تقول: "أمضيتُ وقتاً طويلاً أبحث عن نمط أدبي يقترب بي إلى الواقع لدرجة الملامسة. بهذه الطريقة، فقط، أستطيع أن أنقل أصوات الناس إلى الورق".

تضيف: "لا أسجّل تاريخاً جافّاً للأحداث، بل أدوّن تاريخ المشاعر الإنسانية. بماذا فكّر الناس، مثلاً، ماذا فهموا وماذا يتذكّرون من الأحداث، ماذا صدّق هؤلاء، وما هي الأشياء التي لم يفهموها. ما هي الخدع، الآمال، والمخاوف التي عايشوها؟ هذه أشياء من الاستحالة تخيّلها أو اختراعها. نحن ننسى الأشياء بسرعة، خصوصاً إذا حاولنا استعادتها بعد عشرين عاماً. مثلاً، نخجل أحياناً من تاريخنا ومن أفكارنا، ونرفض تصديق ما حدث".

تقول أليكسيفيتش: "يمكن للفن أن يكذب، لكن التوثيق لا. صحيحٌ أن الوثائق هي من إنتاج الأشخاص ومن نتاج عواطفهم ورغباتهم. لقد قمت بتأليف كتبي من خلال عشرات الآلاف من الأصوات، وقد أخذ منّي كل كتاب من ثلاث إلى أربع سنوات، وفي مرّات أخرى وصلت إلى عشر سنوات. لقد قابلت وسجّلت أصوات من 500 إلى 700 شخص في كل كتاب، ابتداءً من الذين شهدوا ثورة العام 1917 في روسيا، مروراً بالحروب والمعتقلات الستالينية، وحتى وقتنا الحاضر".

سلّطت الضوء في كتابها الأول "الحرب ليس لها وجه امرأة" (1985) على أكثر من مليون امرأة سوفييتية شاركن في الحرب العالمية الثانية، تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشرة والثلاثين، انخرطن في الحرب تماماً، في مهن متعدّدة، من قيادة الدبّابات مروراً بوحدات القناصة، وليس انتهاءً بقيادة الطائرات: "في الحقيقة لم تكن النساء فقط ممرّضات وطبيبات"، تقول عن ذلك.

وفي الكتاب، تستدعي شهادات النساء في هذه الجوانب من الحرب التي لم يذكرها الرجال. تناولت النساء لاحقاً روايات مختلفة، كإعلان مخاوفهن من المرور بين الجثث: "كانت الجثث كأكوام البطاطا"، لكن الرجال تكلّموا عن ذلك بطريقتهم. بعد الحرب، كان على المرأة أن تخوض حرباً أخرى، أن ترمي شارتها وبزّتها العسكرية وشهادات الإصابة جانباً، لأنها الآن تريد أن تتزوّج وتبني عائلة. "سرق الرجل النصر من النساء". تقول أليكسيفيتش.

في كتابها الثاني "أطفال الزنك: أصوات من الحرب الأفغانية" (1992)، سلّطت الضوء على شهادات الرجال والسيدات والأرامل الذين عايشوا الحرب الأفغانية السوفييتية التي استمرّت عشر سنوات، أثناء استقبالهم جثث الأقرباء في توابيت الزنك. حاولت استعادة المشاعر المتولّدة في تلك اللحظة وتوثيقها بكل التفاصيل، مستعينةً بشهادات أكثر من 700 شخص.

يكاد يكون كتابها الثالث "صلاة تشيرنوبل: أصوات من الكارثة النووية" (2006) أكثر كتبها إثارة للجدل على الصعيد الداخلي والأكثر مبيعاً. وصلت مبيعاته إلى قرابة مليوني نسخة. تقول: "لم أشأ أن أتحدّث عن أسباب الانفجار.

هناك علماء يفعلون ذلك، (فقدت أختها وأصيبت والدتها بالعمى جراء الانفجار) أريد فقط أن أكشف المشاعر الجديدة المتولّدة عن التغيّرات النفسية التي أحدثتها الكارثة، عن التحولات الجينية التي تركت أثراً كبيراً لدى السكان هنا. قام المخرج الإيرلندي جوانيتا ويلسون بتحويل الرواية إلى فيلم قصير مدّته 16 دقيقة تحت عنوان "الباب"، وقد رُشّح إلى الأوسكار.

يبدأ الكتاب وينتهي مع شهادة أرملتين: الأولى، زوجة رجل إطفاء شابة من بريبيات الأوكرانية التي تحولّت إلى مدينة أشباح بفعل الإشعاعات. قضى الزوج ليلاً، أثناء محاولات إطفاء النيران التي اندلعت خلال الكارثة.

الثانية، زوجة رجل كان ضمن 600 ألف شخص تم تكليفهم بدفن التربة السطحية الملوّثة وإطلاق النار على كل الحيوانات في المنطقة، وكان آخر من قضى من وحدته. زارته زوجته في المستشفى، بينما لم يكن قادراً على الكلام، سألته: "هل تشعر بالندم لذهابك إلى هناك؟" هزّ رأسه نافياً، وكتب لها على ورقة: "عندما أموت، اعرضي السيارة والإطارات الاحتياطية للبيع، ولا تتزوّجي من توليك". توليك هو شقيقه. ولم تتزوّج منه.


اقرأ أيضاً: سفيتلانا أليكسيفيتش: نوبل للآداب 2015 لها وجهُ امرأة

المساهمون