مفكرة المترجم: مع جلال الدين سعيّد

14 فبراير 2018
(جلال الدين سعيّد)
+ الخط -
تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. هنا حديث مع المترجم التونسي جلال الدين سعيّد، الذي قدّم على مدى سنوات للعربية أعمال الفيلسوف الهولندي باروخ اسبينوزا ونصوصاً فلسفية أخرى.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
طُلب منّي في السنوات الأولى من التحاقي بالتدريس الجامعي إعداد درس حول الفيلسوف اليوناني أبيقور، فطوّرت هذا الدرس وجعلت منه كتاباً؛ ولمّا كانت آثار أبيقور مفقودة، باستثناء ثلاث رسائل وعدد من الحِكم والعِبر والأقوال المأثورة، رأيتُ أن أنقلها إلى العربية وأضمّها إلى الكتاب، الذي حمل عنوان: "أبيقور، الرسائل والحِكم"، وصدر عن "الدار العربية للكتاب" عام 1991.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
آخر ترجماتي المنشورة عملان للفيلسوف الهولندي باروخ اسبينوزا، هما "مبادئ فلسفة ديكارت"، و"أفكار ميتافيزيقية، ومراسلات". وقد صدرا في 2015 عن "المركز الوطني للترجمة" في تونس (تغيّر اسمه مؤخراً وأصبح "معهد تونس للترجمة"). وأنهيت أخيراً ترجمة كتاب فرنسوا لاروشفوكو La Rochefoucauld بعنوان "حِكم وعِبر أخلاقية"، وهو الآن تحت الطبع.


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
أوّلها الترخيص بالترجمة من قِبل دور النشر صاحبة الحقوق، وتزداد الصعوبة إذا تعلّق الأمر بدور نشر أجنبية؛ فهي تضع شروطاً مادية وزمنية مجحفة أحياناً، بحيث يصعب التعامل معها. أمّا إذا كان المؤلّف راحلاً فقد يكون التعامل مع الورثة أقسى وأشدّ. وعلى صعيد الترجمة نفسها، فإنّ المشكلة تتمثل في إيجاد المصطلحات المؤاتية والمناسبة للمصطلحات الأجنبية من جهة، وفي أن تحظى هذه المصطلحات بالإجماع في مختلف البلدان العربية من جهة ثانية. كما يحتاج المترجم أيضاً إلى نحت مصطلحات جديدة متى اقتضى الأمر ذلك، بالاستناد إلى اللغة العربية المستخدمة في كتب التراث ومع مراعاة سلامة التركيب ووضوح المعنى.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
صدرت معظم ترجماتي عن "المركز الوطني للترجمة"، وقد عمل هذا المركز على إرساء تقاليد تتمثّل في تقديم الكتاب للمراجعة العلمية من طرف متخصّص تقترحه لجنة الترجمة، وبعد ذلك يتمّ عرضه على محرّر ليتثبّت من سلامة اللغة والتراكيب. يبقى دور المحرّر هامّاً، باعتبار أنّه يعطي اللّمسة الأخيرة للكتاب كما يصحّح بعض الأخطاء التي قد يغفل عنها المترجم والمراجع أو التي قد تتسرّب عن غير قصد.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
لا توجد اعتبارات سياسية لاختيار المؤلفات التي أرغب في ترجمتها. إنّ ما يدفعني إلى هذا الاختيار هي الرغبة في مساعدة القارئ العربي على الاطّلاع على آثار أساسية لم تُنقل بعدُ إلى اللغة العربية.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
ترجمتُ خاصة لأبيقور (القرن الثالث قبل المسيح)، ولاسبينوزا (القرن السابع عشر)، وعلاقتي بهذين الفيلسوفين علاقة روحية حقيقية، باعتبار أنّني أكتشف نفسي وأتعرّف على ذاتي من خلال أفكارهما.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
رغم أنّه يوجد فرق بين الكتابة والترجمة، إذ ليس كلّ كاتب جيّد مترجماً ماهراً، ولا كلّ مترجم ماهر كاتباً جيّداً، إلّا أنّك تجدني أحياناً عندما أكتبُ أترجمُ، وعندما أترجمُ أؤلّفُ وأتوخّى أسلوباً خاصّاً في الكتابة. وذلك لكوننا عموماً، عندما نكتب الكلمات، فنحن في الحقيقة نرسم في أذهاننا، في الوقت ذاته، الأفكار التي ترمز إليها هذه الكلمات؛ وهذه الأفكار تُقال بلغات مختلفة، كما تُقال في اللغة نفسها بأساليب مختلفة. وعلى ذلك فعندما يحذق الواحد منّا لغتين (أو أكثر) فإنّه غالباً ما يفكّر بهما.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
هناك مبادرات محمودة لإسناد جوائز للترجمة، لكن أرى أنّه من الأفضل إسناد جوائز متعدّدة تكون متوسطة المبلغ عوضاً عن الجوائز المرتفعة القيمة المالية التي تسندها بعض الجهات. وفي تقديري، من وجهة نظر أخرى، أنّ حصول المترجم على حقوق مادية محترمة ومضمونة قد يكون حافزاً أكثر من توقّع الفوز بجائزة غير مضمونة.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
كانت ولا تزال المبادرات الفردية أصدق تعبيراً عن نزاهة المترجم وعن موهبته الحقيقية؛ كما لا ينبغي الاقتصار على الترجمة المؤسساتية، لضيق مجالاتها وكثرة شروطها وقيودها. وزيادة على ذلك، فإنّ الترجمة المؤسساتية تنشط في فضاء بحثيّ مغلق تنقصه الدعاية، أعني منها العلنية، أي في الصّحف وفي الوسائل الإلكترونية.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
إنّ طريق الترجمة محفوف بالصعوبات والمخاطر، لعلّ أهمّها ضرورة الملاءمة بين دقّة الترجمة وصرامتها من جهة، ووضوح الأسلوب الذي يرغبه القارئ عموماً من جهة ثانية. إلّا أنّني عندما أترجم نصّاً بصعوبة نصّ اسبينوزا، غالباً ما أفضّل الدقة على الوضوح إذا كان الاختيار بينهما لازماً، وكلما كان النصّ يتطلب من القارئ عناء لا بدّ منه لولوج فكر الفيلسوف. ومن عاداتي في الترجمة أن أضع ثبتًا بأهمّ المصطلحات، باللّغتين العربية والفرنسية وبلغة أخرى ثالثة، فضلاً عن تنصيصي على هذه المصطلحات بلغتها الأصلية، في صلب النصّ وبين قوسين، كلّما اقتضى الأمر ذلك.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
لم أندم على نصّ ترجمته، لكن ندمت على نصوص لم أبادر بترجمتها فسبقني إليها مترجمون أكفّاء آخرون، فرأيت أنّه لا داعٍ لإعادة ترجمتها وتوجّهت إلى أعمال أخرى خدمةً للمكتبة العربية وإثراء لها؛ ومن بين النصوص التي ندمت على عدم ترجمتها بعض مؤلّفات ديكارت، وكذلك خاصة "رسالة في اللاهوت والسياسة" لاسبينوزا.


■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
أتمنّى أن تصبح الترجمة إلى اللغة العربية شاملة لأمّهات الكتب القديمة والحديثة وأن تصبح مواكبة باستمرار للإصدارات المعاصرة بمختلف اللغات الأجنبية. وإنّ هذا لا يتحقق فقط بفضل إنشاء مؤسسات للترجمة أو بفضل التحفيزات المادية، بقدر ما يتحقق بفضل تكوين مترجمين أكفّاء يحذقون، زيادة على اللغة العربية، لغة أجنبية أو أكثر. فإذا تضافرت هذه الشروط الثلاثة (وجود مؤسسات تسهر على تنشيط حركة الترجمة ووجود تحفيزات مادية محترمة وتكوين الناشئة منذ نعومة أظفارها على حذق اللغات)، يصبح بإمكاننا، على مدى طويل، اللحاق بركب أممٍ أخرى.


بطاقة
أستاذ فلسفة في الجامعة التونسية، من مواليد 1954. اشتغل على المصطلح الفلسفي وأصدر "معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية". نقل بالخصوص مؤلّفات اسبينوزا إلى العربية مثل "علم الأخلاق" و"رسالة في إصلاح العقل" وخصّص له عدّة مؤلفات. كما نقل كتابات أبيقور ("الرسائل والحِكم"، 1991)، و"منتخبات من الفلسفة الرواقية" (1999)، وكتابين لـ جان جاك روسو؛ "مقال في العلوم والفنون" و"مقال في الاقتصاد السياسي" (2011). 

المساهمون