"غريبٌ لكنْ حقيقي": نملٌ تحت سطح الأشياء

10 فبراير 2023
آلان شابا وليا دروكِر يُروّجان "غريبٌ لكنْ حقيقي" في باريس (دومينيك شاريو/Getty)
+ الخط -

 

في بداية الفيلم، يتوجّه آلان دوفال (آلان شابا) وزوجته ماري (ليا دروكِر) إلى شخصٍ خارج الكادر، قائِلَين له إنّهما يتوجّسان من حكي ما حصل معهما له، مخافة أنْ يظنّ أنّهما مجنونان، قبل أنْ يأخذنا الـ"فلاش باك" إلى أصل الحكاية، حين قرّر الزوجان شراء مسكنٍ جديد، فذهبا، رفقة وكيل عقاري، إلى منزلٍ من طابقين وحديقة خاصة.

في هذا التقديم، إشارتان تؤكّدان استمراريةً في أسلوب كونتان ديبيو، في فيلمه الطويل العاشر، "غريبٌ لكنْ حقيقي (Incroyable Mais Vrai)": نزعة تحطيم الجدار الرابع، من خلال تدابير سردية، لا تخلو من تبئير مرآوي، حيث يحلّ المشاهدون مكان الشخص الذي يتوجّه إليه الزوجان، واختيار الدخول مباشرةً في صلب الحبكة، من دون تمهيدٍ، يُخصّص عادةً بإعطاء نبذة عن حياة الشخصيات، قبل حدوث الانقلاب الدرامي، أو لإغناء سيكولوجيا الشخصيات، لأنّ أسلوب المخرج ينحو بلا شكّ عكس الاعتماد على هذه الأخيرة، في توضيح تصرّفات شخصياته واختياراتها.

لا تُنسى اختيارات المونتاج الجريئة، التي تعتبر أبرز بصمات ديبيو في الإخراج، خاصة أنّ نقد أفلامه ينحصر غالباً في المضمون من دون الشكل، وهنا، يتبنّى تقطيعاً حيوياً، يخلط بين زمني تفقّد الزوجين المنزل، ونقل أثاثهما إليه، مُضفياً نوعاً من القدرية، وإحساساً بأنّ كلّ ما يأتي يترتّب عن حتمية لا سبيل للإفلات من تأثيرها.

تأتي معلومة، يزوّد الوكيل العقاري الزوجين بها، حول تفصيلٍ في المنزل، مُطلقاً عليها "عماد العرض"، لتضيف عنصراً آخر ربما يكون الأهمّ في التركيبة الجمالية لسيناريوهات ديبيو، منذ عجلة "رابر" (2010)، القاتلة المتسلسلة، والذبابة العملاقة في "أفكاك سفلية" (2020)، مروراً بسحر السترة في "جلد الأيل" (2019). يتجلّى العنصر الآخر هذا في عبثيةٍ خشنةٍ، تضخّم الأشياء من دون ابتذالها، ولا تُلقي بالاً لتفسير الظواهر الغريبة، وتهتمّ فقط بتأثيرها على الشخصيات. يتعلّق الأمر بفتحة في قبو المنزل، يؤدي المرور منها، بشكل يتحدّى كلّ منطق، إلى الطابق الثاني. ليس هذا كلّ شيءٍ، بل ينتج عن عبور الفتحة الغريبة مرور 12 ساعة كاملةً من الزمن، وينقص عمر العابر 3 أيام.

تستثمر الحبكة جيّداً تباين طبع الزوجين، الذي تؤجّجه ردّة فعل كلّ منهما إزاء الفتحة: آلان لا يبدي أي حماسةٍ لعبورها، ويكاد يتلقّى الأمر ببرودٍ ومسافةٍ، برع آلان شابا في تأديتهما. وماري يتملّكها الهوس بالعبور مراراً، حتّى تكاد تغدو مُقيمةً فيها، بغية استعادة شبابها، وبلوغ حلمٍ قديمٍ لم يتسنّ لها تحقيقه، بأنْ تصبح عارضة أزياء ناجحة. ينتج عن ذلك برزخ "زمكاني" بين زوجين يقيمان تحت سقف واحد. لكنّ اختلاف التوقيت والفضاء بينهما يُنتج أحد أكثر التعابير، عن شرخ العلاقة الزوجية، أصالةً وجدّةً في السينما المعاصرة.

 

 

يتشعّب السرد إلى حبكة ثانويةٍ، مع اكتشاف شخصيتي جيرار (بونوا ماجيمل)، رئيس آلان في العمل، ورفيقته جانّ (أناييس دُموستييه)، اللذين يحلّان ضيفين على الزوجين، ويفصحان عن سرٍّ آخر، بعد تشويقٍ، وأخذٍ وردٍّ لا يخلوان من طرافةٍ، يسبقان غالباً الإفصاح عن مكامن الغرابة في أفلام ديبيو، فيُخلّفان تأثيراً مزدوجاً وجذّاباً، يشحذ انتباه المُشاهد للإعلان، ويُفرّغه في الوقت نفسه من أيّ حمولةِ إثارةٍ سهلةٍ: أجرى جيرار عملية جراحية في اليابان، لتعويض عضوه الذكري بآخر إلكتروني، مُتحَكّم فيه عن بعد. عبر الحبكتين، يطرق الفيلم، بفضل نصٍّ خبيء، ثيمات حديثة أساسية، كالركض وراء استعادة الشباب، وتجميل المظهر الخارجي إلى حدّ الهوس، بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال سلوك ماري وحركاتها النرجسية أمام المرآة كلّما خرجت من الفتحة، والافتتان بسراب مغريات "عبر الإنسانية" (ترانزهيومنيزم)، أو تعزيز قدرات الإنسان باستخدام تطوّر العلوم والتكنولوجيا، كما يتّضح في اعتداد جيرار بوظائف "أداته"، والوسواس الذي ينتابه لتلافي فقدانها، ومعرفة ردة فعل الآخرين حولها، خاصة حين يمتزج كلّ ذلك بشخصيته الذكورية.

ينجح "غريبٌ لكن ْحقيقي" (2022) في خوض مجازفةٍ، تدين بالكثير لأداء الممثّلين، يتقدّم بفضلها على حافة طريق حرجة، تُهدّده باستمرار بالسقوط في هاوية الفظاظة أحياناً، والسخافة أحياناً أخرى. لكنّها تُمكّنه، بصفة مفارقة، من التوغّل في مساحة دراسة غير مطروقةٍ، وما بعد حداثية، لسلوك الإنسان البالغ في العالم المعاصر، المُتشدّق بالعقلانية قولاً، بينما يحيل في عمقه إلى ترسّبات سريالية، كما يُعبّر عن ذلك مشهد التفاحة ثمّ اليد، الطبيعيين في مظهرهما، بينما ينغلان بالنّمل. إحالةٌ تُذكّر بمخرجين عظيمين هما لويس بونويل، في مشهد اليد المثقوبة والمُغطّاة بالنّمل، في "الكلب الأندلسي" (1929)، وديفيد لينش، في قوله المأثور عن طفولته: "اكتشفتُ أنّ المرء، حين ينظر عن قرب إلى هذا العالم الجميل، يجد نملاً أحمر تحت سطح الأشياء".

في الفصل الأخير، يُكثِّف السّرد، بشكل غير مُتوقّع، أحداثاً كثيرة تُحدّد مصير الشخصيات، في ربع ساعة كاملة من اللقطات القصيرة والمتواصلة، بلا حوارٍ، تُرافقها جيّداً موسيقى جون سانتو، الإلكترونية بطابعها التركيبي (سينتيتيك). اختيارٌ مجازفٌ آخر، يعكس حرص كونتان ديبيو على حصر أفلامه في مدّة قصيرة (74 دقيقة فقط هنا)، لاعتقاده الراسخ بأنّ العبث والتمطيط لا يلتقيان، وانتباهه البالغ إلى إيقاع أفلامه، بحكم اشتغاله الرئيسي بتأليف الموسيقى الإلكترونية وعزفها، السابقين على شغفه بالسينما.

"العبثي هو المواجهة بين اللاعقلاني، الذي يحفّ العالم، والرغبة اليائسة في الوضوح، التي يتردّد صداها في أعماق الإنسان"، يقول ألبير كامو. ولعلّ صوت كونتان ديبيو يُعدّ اليوم أحد أثمن تعابير السينما لفهم رهانات هذه المواجهة، وترويض النزعة السهلة والخطرة للوضوح، والاقتصار على سطح الأشياء.

المساهمون