سياسات تمزيق الشِّباك

04 يناير 2016
سعيد المساري / المغرب
+ الخط -

يقف الاقتصاد على عنق الفضائيات والحكومات والمحلّلين، أو أدنى قليلاً. ويجد الاقتصاديون أنفسهم مرغوبين، إمّا لفضائيات تريد منهم أن يُطمئنوا الناس إلى أن غلاء الأسعار والتضخّم وسواد أيام البورصات مجرّد غيوم عابرة في سماوات صاحية دائماً، أو أن الغيوم، هذا إن كان لها وجود، سببها كسل الناس وبطالتهم أو تضخّم بطونهم، أو حقد الحاقدين على من جدّ، وجدّ، فوجد، وإما لفضائيات تسعى إلى البحث عمن يمدّها ويمدّ المشاهدين بالضوء في هذه الضجّة الحقيقية.

سعدتُ قبل أيام قليلة بمشاهدة النقيضين معاً؛ من يُطمئن، ومن يضيف إلى القلق قلقاً. ولكن ملاحظتي ليست هنا، فلا أحد ينكر ما يحدث من توحّش يصيب الأوراق النقدية الناعمة عادة والمغرية في كل العادات، ولكن ملحوظتي هي حول طبيعة عروض وتحليلات الاقتصاديين الذين نشاهدهم على الشاشات.

بعض هذه العروض، ربّما لقلّة خبرة الاقتصادي بمقتضيات مخاطبة عموم الناس، يكاد يتحوّل إلى رطانة مبهمة لا يفهم منها المشاهد إلا أن هناك "أزمة" وهناك "انهيارات"، أمّا كيف يمكن أن يلمس هذا ويفهمه، فأمرٌ يظل بعيداً.

فكيف مثلاً ترتبط أزمة الرهون العقارية في أميركا بتساقط البنوك مثل تساقط أحجار الدومينو هنا وهناك؟ وكيف تعجز عقول عاقلة عن الإمساك بالمضاربين والضرب على أيديهم؟ وكيف يرتفع سعر الغذاء في العالم فيثير موجة من الغلاء تشمل حتى أسعار بيض مزرعة العم "حسنين" في الفيوم؟

ثم كيف يجهل "خبراء" جهابذة في الاقتصاد أن من لا ينتج، ولو صيداً، لا يستطيع أن يأكل إلا ما يستجديه، ومع ذلك ينصحون شعوبهم، نصائح مشفقين، بتمزيق شباك الصيد، وينصرف تفكيرهم فقط إلى توزيع أسماك مملّحة أو مجمّدة، إن جاءت اليوم، ربما لا تجيء غداً؟

بعض الاقتصاديين يجتهد في التبسيط وتقريب الأذهان إلى هذا العالم الذي يسبح كما يبدو في فلك آخر، فيستخدم تعابير بسيطة في وصف الحال، كأن يُرجع الأسباب إلى رأسمالية متوحّشة (وهو تعبير أصبح رائجاً الآن) وإلى سياسات تمزّق شباك الصيد وتصحّر الأرض وتحشد الناس في طوابير تجوّع أو تُشبع حسب الطلب، فاتحة بذلك المجال واسعاً أمام عمالقة القماقم الخرافية الذين يتجوّلون لاصطياد الشعوب في شباكهم.

مهما كان من شأن التعقيد والتبسيط، من الواضح أن مقاربة الاقتصاد وشؤونه ما زالت بعيدة عن غالبية أفهام الناس، ليس بسبب صعوبة المقاربة، بل بسبب خطورة المقاربة، لأنها تُرجع الناس إلى الأرض بعد أن طيّرهم منظّرو العولمة الرائعة بين سحب اصطراع العقائد واللحى والديانات والألوان وتصاميم الثياب طيلة أكثر من عشرين سنة مضت، بينما كانوا منهمكين في الاستيلاء على الجبال والأنهار والسهول، أي الأرض وما فيها وعليها.


اقرأ أيضاً: حجر مؤاب.. قصة اختلاق حضارة

دلالات
المساهمون