من ذكريات ما بعد الـ 18 يوماً

17 فبراير 2019
+ الخط -
رثاء كل عام، والذي يزداد صعوبة بمرور الوقت. حالة من الحزن والشجن والحنين الذي ينتاب كل مَن شارك في الحدث العظيم، ذكرى ذلك التحرّك الشعبي المهيب، والذي كان فائقا لكل التوقعات، حتى لمن خطط أو شارك في الحشد والتعبئة. إنها ذكرى 18 يوما من المجتمع المثالي واليوتوبيا، وضرْب أروع الأمثلة في التضحية والإيثار، ذكرى الشباب الذي قام بتنظيف وغسيل الميدان بعد الاعتصام، ذكرى ثورة يناير، وتنحّي حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية.
كانت الأحلام غايةً في البساطة، لخّصتها شعاراتٌ بسيطة، مثل عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، مجرّد حلم أن يكون الوطن يسع الجميع بدون تمييز، وطن بدون فساد ولا استبداد، تسوده قيم التسامح والتعايش المشترك، والشفافية والحكم الرشيد والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وطن بدون تعذيب ولا اضطهاد. وجلس العالم كله يتابع اعتصام الـ 18 يوما، وكم كان ملهما لشعوب كثيرة.
بعد تنحّي مبارك، تفجّرت الطاقات، وزادت الآمال، وخرجت آلاف المبادرات والأفكار العبقرية. كان الشباب يشعر بأنه أخيرا أصبح له صوت، وأنه يمكن للجميع المشاركة في بناء وطن جديد، لم يعد هناك مُلّاك وعبيد، بل أصبح الجميع مُلّاكا، لهم الحق في متابعة إصلاح وطنهم ونهضته وما يملكون. وكما كان الحلم مشروعا، وتجمّع الآلاف خلفه، داعمين، كانت هناك أيضا رغباتٌ خبيثةٌ لتدمير ذلك الحلم، تجمّعت عصابات الماضي حول حلم مضاد بالعودة إلى ما قبل لحظة 25 يناير 2011. إعادة الشيء إلى أصله، هكذا أطلقوا على مخطط الانقضاض على ثورة يناير، واستغلوا الأخطاء المصاحِبة لحالة السيولة التي حدثت وقتها، واستغلوا الفوضى والتخبّط والخلافات الداخلية لقوى الثورة، فحدثت أحداث عديدة عجيبة ليس هناك تفسير لها، ولا تزال هناك أسرار غامضة عما حدث في دوائر السلطة، في خلال اعتصام الـ 18 يوما، فمن الذي حاول اغتيال اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة ونائب مبارك، ولماذا تم إعطاء الوقت والفرصة والسماح لبعض أذرع النظام بالتخلص من ملفاتٍ مهمة تدين أذرع نظام مبارك، ومن هم الطرف الثالث الذين كانوا يظهرون فجأة لإشعال الاشتباكات في حوادث شهيرة، ثم يختفون فجأة؟
هناك رأي أن الثورات العربية لم تأخذ الوقت الكافي من التمهيد الفكري والاجتماعي، ولهذا 
دور كبير في انتكاستها، فقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان جديدة على منطقتنا العربية، وتعرّضت لانتكاسات عديدة متتالية. في مصر مثلا كانت بداية طيبة إلى حد ما، عند إنشاء مجلس شورى النواب، في نهاية القرن التاسع عشر، وكان هناك تقدّم أكثر مع الثورة العرابية، ولكن انتكاسة كبرى حدثت عندما ألغى الاحتلال البريطاني الحياة النيابية في مصر، إلى أن قامت ثورة 1919 التي أدت إلى عودة الحياة النيابية وكتابة دستور 1923، وما تلا ذلك من فترة شبه ليبرالية في مصر، لها ما لها وعليها ما عليها، إلى أن كانت الكارثة التي ما زلنا نعاني من آثارها، وهي إلغاء الأحزاب والحياة السياسية وتأميم أشكال التنظيمات في العهد الناصري، وإنْ عادت بشكل صوري ومحاصر وملعوب في عهدي أنور السادات ومبارك. ولكن بدون الأحزاب والنقابات والتنظيمات المستقلة لن يكون هناك بديل سياسي، وبدون نقاشات وجدل وطرْح لجميع القضايا بدون مواربة لن يكون هناك تمهيد فكري لأفكار الديمقراطية واحترام الآخر. ولا تزال هناك صعوبة شديدة في فكرة العمل الجماعي والعمل المشترك، فالنزعات الفردية والانشقاقات والتفتت هي الأساس في معظم التجارب السياسية في الوطن العربي.
ما حدث بعد الـ 18 يوما كان إثباتاً عملياً أن تغيير شخص الحاكم لا يعني تغيير النظام، فجوهر النظام السلطوي المركزي لم يتغير منذ خمسينيات القرن العشرين. كان هناك إصرار عجيب بعد تنحّي مبارك على الاحتفاظ بالمسارات القانونية والدستورية العتيقة، بحجة الحفاظ على الدولة والمؤسسات، على الرغم من أنها كانت المؤسسات الفاسدة نفسها التي ساعدت مبارك على ظلمه وبغيه.
لم يكن هناك مشروع واحد لثورة يناير، على الرغم من بريق الشعارات، فقد كان هناك أكثر من مشروع متناحر، أو يمكن القول إنه ظهرت عدة قضايا خلافية لم يتم حسْمها قبل 25 يناير 2011، مثل ثنائية الدولة الدينية أمام الدولة العلمانية، أو الدولة العسكرية أمام فكرة الدولة المدنية، أو كيفية استيعاب نظام الإدارة القائم بما يحتويه من غابات القوانين المتراكمة واللوائح والتعقيدات. يرى الكل أن رؤيته هي الأصح، وأن مشروعه هو الذي لا بد أن يسود على الآخرين. ولذلك كان الصوت الأعلى هو الغالب، كما كانت مكوّنات القوى الثورية فيها تناقضات عديدة، كانت تفجر أي محاولة للعمل المشترك، بالإضافة إلى افتقار الأغلبية لفكرة العمل المشترك، أو العمل المنظم وتوزيع الأدوار، حتى وسط المجموعات الشبابية التي يفترض أنها كانت أكثر نشاطا من "العواجيز" ومن الأحزاب التقليدية والسياسيين المحترفين. سادت لغة التعصّب والتخوين والمزايدات لكل صاحب رأي مختلف، ما سهّل كثيرا من مهمة الثورة المضادة التي استغلت تلك النزعات بمنتهى البراعة.
انطلقت شرارة الثورة عن طريق المجموعات الشبابية والمجموعات غير المسيّسة، أو غير 
المنتمية للسياسة التقليدية، كحركة 6 إبريل، أو صفحة خالد سعيد. ومن عدم الإنصاف أن يتم تجاهل دور جماعة الإخوان المسلمين، فبدون حشودهم ما كانت الثورة لتنجح بالتأكيد، ولكن أيضا بدون القوى المدنية والعلمانية، وبدون غطاء المجموعات الشبابية التي أطلقت الشرارة، لكان مبارك قد ضرب "الإخوان" بالطيران، بدون أن يهتز جفن للمجتمع الدولي. ولكن بما أن جماعة الإخوان المسلمين الفصيل الأكبر في الثورة، فبالتأكيد كانت أخطاؤهم عظيمة وكارثية. ظنوا أن الفرصة أصبحت آنية لتحقيق حلم الخلافة أو نظام الحكم ذي الصبغة الإسلامية، ولذلك سارعوا، بالتوافق مع المجلس العسكري الذي كان ممسِكا بكل الخيوط بعد تنحّي مبارك، إلى التخطيط لاستفتاء مارس 2011، والذي أعطى المجلس العسكري صلاحيات رئيس الجمهورية، وأعطى لجماعة الإخوان الفرصة لكتابة الدستور منفردين، وإضافة الصبغة الدينية له. ولذلك تم استخدام الدعاية الدينية في الدعوة إلى الاستفتاء، وتم ترويج أن من يرفض مسودة التعديلات علماني كافر يحارب الشريعة، وفاز المجلس العسكري، وحلفاؤه من التيار الإسلامي، في تلك المعركة، فكانت بداية الانقسام المبكر.
وللإنصاف أيضا، لم تكن جماعة الإخوان ومجموعات الإسلام السياسي وحدها من هرعت إلى الارتماء في أحضان المجلس العسكري، بل كان هناك من يحاول منافستهم في نيْل الود، مثل الأحزاب التقليدية التي أنشأها السادات ومبارك، والتي تعوّدت على العيش في ذيل السلطة، وهناك أيضا الكنيسة وبعض الشخصيات والمجموعات العلمانية التي كانت تحاول طرْح نفسها حليفا للمجلس العسكري، وبديلا عن جماعة الإخوان والقوى الإسلامية.
ولكن الطرف الكاره لثورة يناير والمتضرّر من محاولات الإصلاح والتغيير كان أكثر اتحادا، وأبرع في التخطيط والتجهيز من المجموعات التي شاركت في الثورة، أو دعمتها. خطّطوا جيدا لتفريق قوى الثورة، وأعطوا لجماعة الإخوان المسلمين الحبل الذي شنقوا به أنفسهم. إعادة الشيء إلى أصله، هكذا كان العنوان الذي استخدمه المخططون للثورة المضادة.
هل كان ضروريا أن تدخل قوى الثورة في صراع مبكر ضد بعضها بعضا، كما حدث منذ استفتاء مارس 2011، مرورا بانتخابات مجلس الشعب، ثم الانتخابات الرئاسية عام 2012؟ هل كانت الديمقراطية التوافقية أكثر جدوى في هذه الحالة من ذلك التنافس المبكر؟ بأن يتم الاتفاق على فترة انتقالية لمدة عامين، ويتم تداول الرئاسة وتقسيم المناصب التنفيذية وتوزيعها بين جميع الفصائل. يرى بعضهم أن الديمقراطية التوافقية لا تعتبر ديمقراطية حقيقية، بالإضافة إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق في أحيان كثيرة، ولكن الديمقراطية التوافقية قد تكون حلا مؤقتا لتجنُّب تناحُر الشركاء، أو فترة انتقالية حتى بناء التنظيمات بعد الثورات، والديمقراطية التوافقية أفضل بالتأكيد من تلك الصراعات الصفرية التي تم الانجرار إليها بدون سبب حقيقي.
كثيرا ما أتساءل: هل كان "كل" العنف الثوري ضروريا في أحداث عديدة شهيرة في 2011 و2012؟ ألم تكن هناك طريقة لحفظ دماء كثيرة سالت؟ نعم أتذكر أنه، في أحداث كثيرة، كانت هناك ضرورة لحماية الميدان والمعتصمين. ولكن كانت هناك أيضا أحداث عبثية أدى استخدام العنف فيها إلى عواقب وخيمة، وضياع الحق بين الروايات المتضاربة. أتذكر نبرات التخوين وتلك الشائعات التي كان يطلقها بعض الراديكاليين على كل مَن كان يسعى إلى التهدئة أو لوقف الاشتباكات أو لترشيد العنف، ألم يكن التخوين والتشكيك بين الرفاق أحد الأسلحة التي استخدمتها دولة المخابرات ضد الثورة؟ كيف كان يطالب بعضهم بالتعايش السلمي، إذا كان كثيرون منهم لا يقبل وجود رأي مخالف أو طريقة مختلفة لمعالجة الأمور؟ وهل كانت هناك ضرورة لكل تلك المواجهات العنيفة المتبادلة، وحرق المقار ومهاجمة الاعتصامات التي حدثت بين القوى المدنية وجماعة الإخوان المسلمين، والتي سهّلت الطريق لاستيلاء العسكر على السلطة في 3 يوليو/تموز 2013؟
لا يزال كثيرون من شباب الثورة يلومون جماعة الإخوان المسلمين بسبب البراغماتية المفرِطة التي مارسوها بعد تنحي مبارك، مثل دفاعهم عن ممارسات الشرطة والمجلس العسكري في 
أثناء الاشتباكات مع شباب الثورة، أو إشادة الرئيس محمد مرسي برجال الشرطة في أثناء الاحتفال بثورة يناير، أو بتعيينه عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع، وأنه كان على جماعة الإخوان بدء التطهير الفوري وإقامة المحاكم الثورية لاجتثاث أعداء الثورة، بدلا من محاولة كسب ودّهم. وترى أصوات أكثر راديكالية أن الثورة كانت متسامحة أكثر من اللازم مع النظام، بدليل التسامح مع اعتصامات أنصار مبارك في بعض الميادين، وإعطائهم الفرصة لإعادة تنظيم أنفسهم.
على النقيض من ذلك، يرى كتّاب وباحثون في العلوم السياسية أن الثورة كانت مثاليةً أكثر من اللازم، وأن هذا كان خطأً كبيراً، وأنه كان على شباب الثورة أن يكونوا أكثر براغماتية من ذلك، وأكثر تقبّلا للهاربين من نظام مبارك، أو أكثر احتواءً لرجال النظام القديم لمنع تكتّلهم ضد الثورة، خصوصا أن التكتلات الكارهة ثورة يناير، والتي تحمّست للثورة المضادة، ولإجراءات ما بعد 3 يوليو/تموز 2013، كانت تشمل قطاعاتٍ شعبيةً عديدةً وواسعة، مثل ملايين الموظفين الحكوميين وعائلاتهم، بالإضافة إلى الفئات التي تعمل في المهن المؤقتة والموسمية، والقطاعات الشعبية ذات المزاج المحافظ التي ترتاب من حدوث أي هزة سياسية أو اقتصادية.
دوام الحال من المحال، هكذا تؤكّد التجارب التاريخية، كما أن الوضع في مصر يظل ملتهبا طالما لا توجد حلول حقيقية للمشكلات المستعصية. وسيظل الاستقرار ملغوما من الداخل، طالما هناك ظلم منتشر. ولحظة الانفجار قد تأتي فجأة، وبدون إعداد مسبق. ولكن الأزمة ستظل قائمة، وستتكرر الأخطاء، طالما ليست هناك تنظيمات سياسية ناضجة، وطالما لم يتم حسم الخلافات الجوهرية التي تفجّر أي توافق قبل أن يبدأ.
DE3D25DC-9096-4B3C-AF8F-5CD7088E3856
أحمد ماهر

ناشط سياسي مصري، مؤسس حركة 6 إبريل، حكم عليه بالحبس ثلاث سنوات، بتهمة التظاهر بدون ترخيص، وأفرج عنه في يناير 2017