دول عطشى وجائعة.. وتُكابر

10 يونيو 2018
+ الخط -
تلفت واقعة جفاف نهر دجلة، الانتباه، إلى واقع جزء كبير من دول الشرق الأوسط، إذ على مر سنين طويلة، وهذه الدول تتسكع على حافّة العطش والجوع، وتعيش حياتها مع احتياطاتها الإستراتيجية من الماء والطعام يوما بيوم. ومع ذلك، وبدل أن تلتفت إلى المشكلات التي تغرق فيها وتهدّدها وجودياً، فإن أنظمتها السياسية تعتقد أنها ضابطة توازن العالم ومحرّكه الأساسي، وأن أدوارها السياسية مساهماتٌ في تطوير السياسة العالمية. أما قضايا التنمية الداخلية، وتطوير حياة الناس، فهي ليست سوى من سفاسف الأمور، لا يجوز بمن يرفع لواء القضايا الكبرى النزول إلى مستواها.
من أنتم؟ جواسيس ومرتزقة، إرهابيون، مأجورون، هذا نموذج من إجابات الأنظمة الحاكمة على الشعوب التي لمست، بجسدها وأفواه أولادها، هول المأساة الزاحفة على حقول أيامها، بل إن عناصر كثيرة من هذه المأساة، وصلت بالفعل إلى تفاصيل حياتهم وانغرست فيها، فمشكلة جفاف الأنهار ليست بنت اليوم، دجلة والفرات ينازعان الموت منذ سنين، ونهر الأردن يحتضر، وإعلان وفاته ليس بعيداً، أما النيل فهو على وشك أن يصرخ: يا أهل بر مصر، أنهكتني السدود وانحباس الأمطار والتلوث، وخارت قواي، ووهنت عزيمتي، فاعتذروا مني لهيرودوت.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعلماء الجيولوجيا وخبراء المياه يقرعون جرس الإنذار، ويحذرون 
من الخطر القادم الذي بدأت نذره واضحةً وجلية، بل إن تقديراتٍ كثيرة ذهبت إلى أن حروب المياه في المنطقة لن تتأخر كثيراً، وتنبأ المفكر الإستراتيجي الأميركي، روبرت كابلان، وقبل خمسة عشر عاما، بأن أزمة المياه ستفكك دولاً، مثل سورية والعراق، وتصنع واقعاً جغرافياً جديداً تحدّد فيه المياه هويات المواطنين، وانتماءاتهم وأحجام الدول وأسماءها، حيث ينضم سكان الموصل والرقة لتركيا، وينضم جزءٌ من سورية إلى لبنان الذي يمتلك وفرةً في المياه، ويصبح لبنان الكبير، أما جنوب سورية فينضم للأردن الذي سيتحول إلى الأردن الكبير بعد انضمام أجزاء من العراق إليه.
وقبل سنوات قليلة، صدرت دراسة علمية محكَمة، لم تثر انتباه أحد في عالمنا الشرق أوسطي، ربما لأن القضية التي تطرحها ليست من القضايا الإستراتيجية التي تشغل بالنا. تحذّر هذه الدراسة من اقتراب فناء النحل البري من الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث لاحظت الدراسة انهيار مستعمرات النحل، نتيجة الاستخدام المفرط في المواد الكيميائية في الزراعة. والمعلوم أن النحل يقوم بعملية تلقيح الخضار والفواكه، وبدونه لن تستطيع بلدان الشرق الأوسط إنتاج هذه الأغذية الأساسية، وسيضطر الملايين للبحث عن مواطن جديدة يحصلون فيها على الغذاء.
وفي السنوات الأخيرة، جفّت الأنهار الرئيسية في إيران، وانتقل ملايين الإيرانيين من الأرياف إلى مدن الصفيح حول المدن الكبرى. وهناك تقديراتٌ، إيرانية وليست غربية، عن احتمال اضطرار خمسين مليون إيراني، في غضون سنوات قليلة، للانتقال من أماكن سكنهم للبقاء على قيد الحياة، والسبب هو الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية والمشاريع الفوضوية التي يقوم بها نظام الملالي، وسياساته الخاطئة في هذا المجال.
لم يسلم بلدٌ شرق أوسطي في السنوات الأخيرة من حركاتٍ احتجاجية غاضبة، سببها في الغالب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها شعوب هذه المنطقة. القاسم المشترك بين هذه الحركات مطالبة الأنظمة بتوفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة الآدمية لهذه الشعوب، وقد تم التعبير عن ذلك بالمطالبة بمحاربة الفساد والتوزيع العادل للثروة، أو تخفيض الضرائب التي تبدو غير منطقيةٍ مع مداخيل الناس، أو ترك الشؤون الخارجية والالتفات إلى الداخل.
على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من الخطر المحدق بها، رفضت غالبية الأنظمة السياسية الشرق أوسطية الإصغاء إلى شعوبها، وراحت تبحث عن أي ذريعةٍ لإسكات صوت الشعوب الذي تعتبره الخطر الأول والأوحد. ومثال على ذلك في سنة 2009، عندما ضرب الجفاف مناطق شرق سورية، أعلنت حكومة الأسد عجزها عن مواجهة الكارثة التي أدت إلى نزوح آلاف العائلات إلى دمشق والمدن الكبرى، وتكفلت الأمم المتحدة والجمعيات الأهلية في سورية بإيواء العائلات، وتقديم المساعدات الغذائية لها. وبعد أقل من عامين، سيصرف نظام الأسد نفسه مئات ملايين الدولارات ثمن أسلحةٍ يقتل بها هؤلاء الذين طالبوا بإيجاد حل لكارثتهم، حتى إن الأسد اعتبر حربه على السوريين هدفها تغيير موازين القوى ومعادلاتها في العالم، وصناعة نظام دولي جديد.
صرفت الثورات المضادة في الشرق الأوسط مليارات الدولارات (تقديرات: أكثر من تريليون 
دولار) لتدمير ممكنات التغيير والانتقال إلى واقع سياسي أكثر ديمقراطية وشفافية، ووضع دول المنطقة على سكّة التطور، وإنقاذ ما بقي من شعوب وثروات، وتطالب هذه الأنظمة شعوبها بتعويض هذه الأكلاف من جيوبها، مثلما يفعل عبد الفتاح السيسي في مصر الذي فتح ألف حساب لتبرع المصريين لبناء المستشفيات والصرف الصحي وإيصال الكهرباء إلى الأرياف، وإنشاء قناة موازية للسويس، في حين لم يقدم لهذا الشعب أي حل لأزماته التي تكاد لا تنتهي مع الضرائب والغلاء. لا وقت لدى الرجل لسفاسف الأمور، فهو مشغول في بناء الشرق الأوسط ومحاربة الإرهاب العالمي في سيناء. ومثلما يفعل نظام الأسد الذي يطالب السوريين بشراء منازلهم التي دمّرها، وستعيد شركاته، وشركات أقاربه، بناءها!
السؤال الملح، في لحظة الشرق الأوسط الحرجة، لماذا لم تكلّف الأنظمة السياسية نفسها عناء البحث عن بدائل وحلول للأزمات التي تواجهها، ما دام كل شيٍ متصدّعا وآيلا للإنهيار، إما نتيجة تراكم سياسات خاطئة، أو لتراكب ظروف مناخية وبيئية. لماذا والأزمة تحدق فينا منذ عقود، أم أنهم يعتمدون على أوروبا لتحل لهم هذه المشكلات، عبر استضافتها ملايين اللاجئين الذين تقذفهم، وستقذفهم سنوات الكوارث المقبلة؟
5E9985E5-435D-4BA4-BDDE-77DB47580149
غازي دحمان

مواليد 1965 درعا. كتب في عدة صحف عربية. نشر دراسات في مجلة شؤون عربية، وله كتابان: القدس في القرارات الدولية، و"العلاقات العربية – الإفريقية".