التعديلات الدستورية.. السلطوية في مصر ومواجهتها

23 فبراير 2019
+ الخط -
وافق مجلس الشعب (البرلمان) المصري، أخيراً، بأغلبية أعضائه، على مقترح تعديل الدستور، لتتم إحالة المواد إلى اللجنة الدستورية في المجلس، والتي ستعد تقريرها لعرضه مرة أخرى على المجلس خلال 60 يوماً، وبعدها تتم دعوة الناخبين إلى الاستفتاء على المواد المعدلة والمستحدثة. وكانت رغبة السلطة في تعديل الدستور قد برزت منذ سبتمبر/أيلول 2015، حين أعلن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، تململه من دستور 2014، معلناً أنه كتب بنياتٍ حسنة، في إشارةٍ إلى رفض ما جاء فيه من مواد تعرقل حكمه وإدارة أجهزة الدولة وتحديد سياساتها. ومن تلك اللحظة، بدأت دعاوى تعديل الدستور تظهر، خصوصاً في ما يتعلق بمدد الرئاسة وفتراتها، ومؤسسات القضاء وكذلك المواد المتعلقة بالحريات العامة، بل وشكل نظام الحكم مستقبلاً، وجاءت مقترحات التعديل ترجمةً لما كان يعد له طوال هذه الفترة، وتتم إثارته في وسائل الإعلام.
قُلبت هنا القواعد، بدلاً من أن يتوافق نظام الحكم وتوجهات السلطة مع الدستور ويترجمها، بدا ضرورياً أن يتوافق الدستور مع السلطة الحاكمة، ويعبر عن إرادتها في اللحظة الراهنة. وجاءت مقترحات التعديلات الدستورية لبعض المواد معبرةً عن مساعي السلطة في تمديد فترات الرئاسة وزيادتها (المادة 140) لتتاح للسيسي فرص البقاء في الرئاسة إلى عام 2034، وكذلك تقنّن التعديلات دستورياً إمكانية تدخل المؤسسة العسكرية في حال وصول أي رئيس لا يتوافق مع مدنية الدولة (المادة 200). وتكسر التعديلات مساحة استقلالية بعض الهيئات كمؤسسات القضاء (المواد 185، 189، 190)، وما تبقى من المقترحات يتوزع ما بين رشاوى للنخب، وأدوات للدعاية لاستقطاب كتلٍ تؤيد التعديلات، أو تتحمّس لقطف ثمارها، خصوصاً ما تعلق بضمان تمثيل النساء والأقباط والشباب في البرلمان (المادتان 234، 244) وما يتوقعه النظام من مواقف تدعمه من بعض ممثلي تلك الفئات، وكذلك إنشاء غرفة 
ثانية (مجلس الشورى) يعين ثلثَه رئيس الجمهورية، عبر المادة الثانية المستحدثة ضمن مقترح التعديلات. وسيوفر هذا المجلس مساحة لتطبيق جانب من الزبونية السياسية القائمة على قبول هيمنة السلطة وإظهار الإذعان لها، وفقاً لقاعدة تبادل المصالح، والإذعان لحاكم الدولة حديثاً أو زعيم القبيلة قديماً، وهي العلاقة المتوارثة من جيل إلى جيل في أوساط النخب المصرية.
جاءت التعديلات بعد أن تغيرت موازين القوة السياسية عملياً على الأرض، وبعد تثبيت أقدام السلطة، وتفتيت القوى السياسية واحتواء أغلبها، وبعد إخفاق "الإخوان المسلمين" وإزاحتهم من الحكم، وخفوت تأثيرهم في المشهد السياسي، وكذلك محاصرة أي حراك احتجاجي، مع استدامة سياسات التضييق والقبض على بعض المعارضين، وكذلك محاصرة المناوئين سياسياً، حتى من غير قوى المعارضة التي لعبت دوراً في ثورة يناير، وما سبق ذلك من تفتيتٍ وتصفية للحركات الشبابية والتشكيلات العمالية والنقابية الجنينية. مع هذا كله، أصبحت عملية التحكّم في تشكيل الرأي العام، وضبط العملية السياسية أيسر. هنا تجلت الفرصة السياسية للسلطة، ورأت أن موعد تغيير الدستور ليتوافق مع مصالحها قد حان، وخصوصاً أن الظرف الدولي مواتٍ، ويسمح بذلك من دون تبعاتٍ ضخمة.
ليست اللحظة الحالية هي نفسها فترة كتابة دستور 2014، والتي سبقها تكرارٌ لشعارات الاصطفاف الوطني، من أجل إنقاذ الوطن والدولة من حكم الإخوان المسلمين. ليست السلطة الآن في حاجةٍ لتقديم وعود بالديمقراطية واستقلال القضاء، وإتاحة فرص المشاركة السياسية وتداول السلطة، أو تعزيز الحريات، أو الوعد بزيادة الإنفاق على التعليم والصحة كما نص دستور 2014، بل على العكس، وحسب مقولات رسمية تعكس توجهات السلطة، الديمقراطية لا تناسب المصريين، ومقاييس حقوق الإنسان لا تصلح لشعب مصر، ولا يمكن أن يُؤتي التعليم ثماره في بلدٍ ضائع، ولا داعي للنقاش هنا بشأن غياب سلعٍ أو خدماتٍ أو ارتفاع أسعارها، فالدولة تعبئ الجهود لمواجهة تحدي الإرهاب، وكانت كل هذه القضايا المهمة في حالة تعارض مع جهود محاربة الإرهاب الذي بات ينشط في مواسم أعياد الأقباط والمناسبات السياسية.
كتب دستور 2014 في لحظة سياسية مغايرة، كانت تمثل تقارباً بين طيفٍ من القوى السياسية وكتل من السلطة الحاكمة، ومثلت لجنة الخمسين التي ناقشت مواد الدستور طيفاً متنوعاً من 
التوجهات السياسية، ما أنتج دستوراً مثّل تحدّياً للسلطوية من نواحٍ عدة، أهمها وجود نظام حكم رئاسي برلماني، ما يعني، في حالة وجود برلمان منتخب يمثل إرادة المنتخبين، أن ذلك سيمثل عائقاً أمام أي نزعاتٍ سلطوية، أو تحكّم مؤسسة الرئاسة بشكل كامل في إقرار القوانين، وتنفيذ السياسات الاقتصادية والخارجية، كما أقر الدستور استقلال هيئاتٍ، كالأزهر والقضاء والجهاز المركزي للمحاسبات، بالإضافة إلى تضمنه مواد عن الحد الأدنى للإنفاق في مجالي التعليم والصحة.
صحيح أن السلطة لم تنفذ كثيراً مما جاء في الدستور من استحقاقات، بل انتهكت كثيراً من بنوده، إلا أن ذلك لا يلغي أنه وثيقة ذات أهمية، خصوصاً لو تغيرت الأوضاع السياسية، وهذا ما يستدعي تغييره الآن، أي تأمين مستقبل الحكم فترة أطول، وإن لم يكن الدستور مهماً، كما يحاجج بعضهم، فلماذا تسعى السلطة إلى تغييره؟ وفي الوقت الذي تعتبر نتائج التعديلات الدستورية كارثية ومخيفة، إلا أنها أيضاً تمثل فرصة سياسية لمواجهة السلطوية، وتتحدّد مساحة هذه الفرصة وقوتها على عوامل عديدة، منها ما ستنتجه هذه التعديلات من تشقّق في جدار السلطة، نتاج تأكيد توجهها نحو استدامة حكم النظام الحالي، ما يعني إغلاق باب تداول السلطة والتنافس السياسي، واستدامة بقاء المجموعة الحاكمة، وما تمثله من مصالح، وهذا يزعج ليس ما تبقى من قوى المعارضة السياسية وحسب، بل أيضاً من ينظرون إلى أنفسهم كمتنافسين مع النظام. كما أن بقاء التركيبة الحالية من دوائر محدودة في السلطة يعني إبعاد جزء من الكتل الاجتماعية والرأسمالية من دوائر النفوذ والقوة السياسية مستقبلاً، لذا ليس مستغرباً أن نجد مؤيدين للنظام اليوم رافضين التعديلات الدستورية غداً.
ستنتج تعديلات الدستور مجالاً خصباً للحوار والنقاش، وربما الحركة في الشارع، وقد بدأت فعلياً محاولاتٌ لتجميع بعض القوى السياسية الإصلاحية والمعارضة من أجل التصدّي لهذه التعديلات، والدعوة إلى التصويت بلا. وعلى الرغم من ضعف هذه القوى وتردّدها، وسطحية خطابها في أحيان كثيرة، إلا أن استشعار المصريين خطورة مسألة التعديلات الدستورية هو الأساس في تبلور حراك معارض من جديد، ربما لا يجد من يقوده حتى الآن، ويطرح رؤيةً إلى التغيير تتجاوز الشعارات والمطالب إلى رؤية متكاملة وبرنامج مفصل بخطة طويلة الأمد 
تتجاوز سذاجة أسئلةٍ من نوع مع من نصطف؟ إلى: على ماذا نصطف؟ وما هي أهداف العمل المشترك؟
تتخطى آثار طرح التعديلات الدستورية معارضة مجموعات سياسية محدودة، وتمتد لتشمل فئاتٍ عديدةً، منها رجال أعمال وقضاة وقوى اجتماعية متنوعة، تمتلك نفوذاً اجتماعياً لا يمكن التهوين منه. وتقضي التعديلات على متكأ الصبر لدى كثيرين، والذين طرحوا أن بقاء نظام السيسي حتى انتهاء الفترة الرئاسية الثانية عام 2022 ممكن الاحتمال، ولكن بعد التعديلات ستصبح إمكانية بقائه ممتدة إلى 2034. أخيراً، تعتبر التعديلات الدستورية مختبراً حقيقياً للسلطة والمعارضة معاً، ومجالاً يسمح بالحراك واستخدام الدعاية والدعاية المضادة، حتى مع بروز ظاهرة الصوت الواحد وتأميم الإعلام لصالح السلطة، إلا أن هذا لا يلغي إمكانات الحركة والدعوة بلا، وخصوصاً أن هناك شواهد تدل على أن الشعب المصري ينتظر من يخاطبه ويشجعه للتعبير عن مواقفه من هذه التعديلات، منها الاحتفاء على وسائل التواصل الاجتماعي بكلمة النائب أحمد طنطاوي (ضمن كتلة 25/30 البرلمانية الرافضة التعديلات)، والتي وصلت نسب مشاهدتها على الشبكات الاجتماعية إلى ملايين خلال يومين، وكذلك عشرات آلاف الموقعين على بيان رفض التعديلات الدستورية الذي أطلقته أحزاب وشخصيات عدة، مكونة ما يعرف بالتحالف المدني.
كما يُقال، الكرة في الملعب، وبحكم التاريخ والخبرات، مثّلت رغبة الأنظمة المصرية المتعاقبة في تعديل الدستور نتائج سلبية، وسببت تعثرها أحياناً، أو انكفاءها، بدلاً من استمرار سيطرتها على الحكم.
D75BB17B-0520-4715-86EC-B6995DA95615
عصام شعبان

باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة القاهرة، أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير، عضو المجلس الأعلى للثقافة لدورتين متتالتين، عضو شعبة العلوم الاجتماعية. أحد كتاب الرأى في صحيفة وموقع "العربي الجديد".يقول: "نفعل كما يفعل السجناء، نربي الأمل".