أبعد من الـ"سبع سنين"

23 فبراير 2019
+ الخط -
أثار الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة في ذكرى اندلاع ثورة 25 يناير المصرية، "في سبع سنين"، زوبعةً من انتقادات المنتمين للتيارات الإسلامية، ليس من باب الاحتجاج على أنه جاء على ذكر الحقيقة أم أهملها، بل لأنه يكاد يكون أول مادة إعلامية رصينة، تعرضها شاشةٌ عربيةٌ رئيسية، يصرّح فيها أناسٌ عربٌ بتحولهم إلى الإلحاد، ويعرضون فيها وجهة نظرهم تجاه الدين والتدين بصراحة، وهو أمرٌ ظل في باب المسكوت عنه في الإعلام العربي، كما في الثقافة العربية المعاصرة.
عرض الفيلم تحولاتٍ أصابت شباباً مصريين، عقب فشل ثورتهم العظيمة في يناير/ كانون الثاني 2011، في تحقيق الأهداف التي اختصرها شعارها الشهير "عيش، حرية، كرامة اجتماعية"، وهي تحولاتٌ تمثلت على جانبين: انسحاب بعضهم من الدين، لا من التديّن وحسب، إلى منطقة الإلحاد، وانسحاب آخرين من التديّن المعتدل إلى منطقة العنف "الجهادي" المسلّح.
وبغض النظر عن موضوعية الشباب في تحولاتهم تلك، أي إن كانت ردّاً موضوعياً على استعادة بلادهم شكلها السياسي السابق للثورة، ومن ثم تقويض أحلامهم بالنهوض الوطني والديمقراطية وتداول السلطة سلمياً، أم لا، فإنها تحولاتٌ وقعت بالفعل. وليس السؤال الآن إلى أي مدىً اتسعت هذه التحولات بين الشباب المصريين وحسب، بل أيضاً إلى أي مدىً اتسعت في العالم العربي على امتداده، سواء في البلدان التي شهدت شعوبها ثورات الربيع العربي، أو في التي تابعتها شعوبُها بشغف، باعتبارها ثوراتٍ تخصّها هي أيضاً. وما يمكن قوله من متابعة ما ينشره الشباب العرب، عبر الإعلام الموازي، بخاصة موقع "يوتيوب"، الذي أتاح لهم حريةً لا يتيحها الإعلام التقليدي؛ المرئي والمسموع والمطبوع، أن تلك الظواهر، خصوصاً الاتجاه إلى الإلحاد، باتت تحتلّ مساحاتٍ غير مسبوقة لدى الشباب، في مصر كما في العراق والمغرب والأردن وسورية والخليج العربي، وغيرها بالضرورة.
وأول ما يمكن قوله، في هذا السياق، إنه دليل جديد على ارتباط "المدّ الديني" الذي عرفه 
العالم العربي منذ سبعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى التنظيمات المسلحة المتطرّفة التي ظهرت في سورية والعراق وسيناء وليبيا وغيرها خلال ثورات الربيع العربي، بالأزمة الحضارية التي يعيشها العالم العربي، أو بتعبير آخر: بالتخلف العربي وخروج الأمة العربية من التأثير في التاريخ، والعيش على هامش الحضارة الإنسانية المعاصرة، في موقع الضعيف والمنهوب والمستعمَر والمضطَهَد.
لقد اعتقد العرب أن "الإسلام" ملاذهم الأخير لتحقيق "النهضة"، بعد فشل الدولة العربية المعاصرة في إنجاز هذه المهمة عبر طروحاتها القومية والاشتراكية. هكذا اتجهوا إلى التدين، أملاً في استجلاب نصر الله، لمواجهة القوة الطاغية للغرب والصهيونية، فأخذ التديّن الإسلامي شكلاً عُرف بـ"الإسلام السياسي"، عبّرت عنه تنظيماتٌ دينيةٌ سلفية، سلميةٌ وعنيفة، انتظم فيها أفراد المجتمعات العربية أو أيّدوها بإخلاص، فلما فشل "الإسلام السياسي"، هو الآخر، في إنجاز النهوض الحضاري، لم يتوقف التحوّل عنه عند أشكاله التنظيمية السياسية وحسب، بل طاول الدين نفسه عند قطاعاتٍ من الشباب العرب، اليوم.
هذا ما تضمّنته تصريحات الشباب في الفيلم المشار إليه، إذ لم يقل أي منهم إنه لجأ إلى الإلحاد احتجاجاً على التفسيرات الدينية للعلوم الطبيعية، أو الفلك! لا، كل ما هنالك أنهم يحتجون بإلحادهم على الظلم الذي عانوه، أو عاناه أقرانُهم، ولم يجدوا لهم فيه نصيراً أو منقذاً.
وهذا يعني أن المشكلة تكمن في الأساس في تحميل الدين مهماتٍ ليست من مسؤوليته بالضرورة. لقد تحوّل الدين بالنسبة للعرب من أداة للمحبة والأخلاق والسلم المجتمعي إلى أداةٍ سياسية. ومن الإنصاف القول إن تحوّله هذا يعود، في جذره الحديث، إلى جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، فهما اللذان كرّسا استعمال الدين أداةً للرد على الاستعمار الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، باعتباره سلاحاً يكافئ أسلحة المستعمر التي لا قِبل للعرب يومها بها، جرياً على ما قرأوه في تاريخ المسلمين وفتوحات قرونهم الأولى، هذا بعد أن كان الدين قد طُرح رافعةً حضاريةً أخلاقيةً في عهد محمد علي باشا، ومنظّره العظيم رفاعة الطهطاوي، لا تتوانى عن الاتعاظ بما لدى الآخرين من حكمة، عبّر عنها الطهطاوي في عبارته الشهيرة عمّا خبره في باريس: "رأيت إسلاماً ولم أر مسلمين". ثم تابعت التنظيمات السياسية الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، نهج الأفغاني نفسه على امتداد العقود الطويلة التالية.
لقد تحوّل العرب، منذ ذلك اليوم، إلى "الماضوية" في تدينهم، عوضاً عن التفكير بالمستقبل، وما يزالون.
1E93C99F-3D5E-4031-9B95-1251480454A7
سامر خير أحمد

كاتب أردني من مواليد 1974. صدرت له سبعة كتب، أبرزها: العرب ومستقبل الصين (بالعربية والصينية)، العلمانية المؤمنة، الماضوية: الخلل الحضاري في علاقة المسلمين بالإسلام، الحركة الطلابية الأردنية. رئيس مجموعة العمل الثقافي للمدن العربية.