تقرير مولر: نصر مرحلي لترامب والكرة في ملعب الكونغرس

19 ابريل 2019
بار قبل مؤتمره الصحافي يوم الخميس (بيل أوليري/Getty)
+ الخط -

بعد انتظار دام نحو 22 شهراً، كشف وزير العدل الأميركي وليام بار، يوم الخميس، عن تقرير المحقق روبرت مولر، المتعلق بالتدخل الروسي لصالح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016. وقد مال التحقيق الذي جاء في 448 صفحة، بعد حذف 13 في المائة من حجمه، لصالح ترامب، الذي أعلن "نصره" عبر صورة نشرها على موقعه في "تويتر"، مستوحياً إياها من مسلسل "لعبة العروش" الأميركي. مع العلم أن التقرير لم ينفِ التواصل بين فريق ترامب وروسيا، لكنه لم يصل إلى حدّ ارتكاب "تآمر جنائي". كما لوحظ أن فيونا هيل، مستشارة ترامب، زارت روسيا، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، وبحثت مع المسؤولين الروس "العلاقات الثنائية والوضع في سورية وفنزويلا". بدوره، لم يقل الكونغرس كلمته بعد. ومن شأن الجدال أن يهيمن مجدداً على المرحلة المقبلة، خصوصاً قبل أقل من 10 أشهر من انطلاق الحملة الرئاسية لانتخابات 3 نوفمبر 2020 بدءاً من ولاية أيوا في 3 فبراير/ شباط المقبل. ومن شأن الانتهاء من الإعلان عن مضمون التقرير، ولو كان ناقصاً، أن يمنح ترامب المزيد من حرية الحركة، خصوصاً في سياق استعداداته الانتخابية، أو في إطار تنفيذه لخططه السياسية، ومنها "صفقة القرن" (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية).

في إفراجه عن تقرير مولر، أفاد وزير العدل الأميركي وليام بار بما خلاصته أن المحقق لم يجد الأدلة الدامغة لاتهام ترامب بالتواطؤ مع الروس في انتخابات 2016. كما قال إن "ما قام به ترامب لا يرقى إلى مستوى إدانته بتهمة عرقلة سير العدالة أثناء التحقيقات"، مع أنه سبق لبار أن قال إن "مولر لم يبرّئ الرئيس في هذه النقطة". يجزم التقرير بحصول تدخل روسي وبأن "حملة ترامب رحّبت بالمساعدة الروسية وتقبّلتها"، غير أن الأمر لم يتعدّ ذلك. مع العلم أن ترامب حاول تقويض التحقيق حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية خوفاً من أن "ينهي" رئاسته، خصوصاً عبر سعيه إلى إقالة مولر في وقتٍ سابق.

في ملف "عرقلة العدالة"، رأى مراقبون أن بار منحاز للرئيس، بما يُنبئ بحصول معركة سياسية ـ قانونية طاحنة بين البيت الأبيض والجمهوريين وبين خصومه الديمقراطيين في الكونغرس. فالوزير استند إلى صلاحيات تنظيمية مطاطة، اعتبر أنها تخوّله تفسير النص المبطّن في التقرير حول تهمة "العرقلة". وأكد أن "البيت الأبيض تعاون بالكامل مع تحقيق المدعي الخاص، والرئيس لم يفعل شيئاً لحرمانه (التحقيق) من الوثائق والشهود الضروريين لإجرائه على أكمل وجه". وبذلك أعطى بار لنفسه دوراً كان الأحرى به تركه للكونغرس للبت بالجزء الغامض أو الملتبس من التقرير. ومولر نفسه أشار إلى ذلك، وبدا أنه تعمّد النأي عن الحسم في موضوع العرقلة كي يتولى الكونغرس هذا الدور، استناداً إلى فيض المعلومات والأدلة التي احتواها التقرير، وباعتبار أن الكونغرس هو الحكم الأخير في الموضوع. والمعروف أنه ليس بإمكان المحقق إدانة الرئيس أثناء فترة رئاسته، حسب التوجيه المعمول به في وزارة العدل.

علاوة على ذلك، بنى الوزير نسف تهمة العرقلة على حيثية هشّة. فهو رأى أن "عدم توفر الأدلة الكافية لدعم هذه التهمة يشير إلى أن الرئيس لم تكن لديه نية للعرقلة". مع أن التقرير حافل بسرد الوقائع التي تجاهلها الوزير، وتكشف أن السعي في هذا الخصوص تكرر وجرى بأكثر من صيغة. والمعروف حسب خبراء القانون والتحقيقات، أن نجاح المحاولات في هذا المجال ليس شرطاً لإدراجها في خانة التهمة، ذلك أن مجرد حصولها يضعها في هذا الصفّ.



يضاف إلى ذلك أن إخراج بار للتقرير إلى العلن، عزّز الظنون بوجود نية لتمويه الحقيقة. ولجوءه إلى الكشف عن التقرير تدريجياً وشراء الوقت والتشاور بشأنه مع البيت الأبيض وفريقه القانوني، من دون وضع الكونغرس في الصورة، ساهم في تكوين اعتقاد بأن في الأمر محاولات لحجب جوانب مؤذية في التقرير. وعزّز ذلك عدم ارتياح فريق التحقيق لهذا الإخراج. وبار اعترف بوجود خلاف مع مولر حول بعض الجوانب. وظهر ذلك أثناء غياب مولر عن مؤتمر بار. كما أنه في تقريره، تحدث مولر عن سلسلة من الضغوط الشديدة التي مارسها ترامب، بدءاً بإقالة المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، جيمس كومي، الذي كان مكلفاً بالتحقيق، في مايو/ أيار 2017. وبعد الاستياء الذي أثارته إقالة كومي، عُيّن مولر الذي كان في السابق مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي أيضاً، مدعياً خاصاً.

بدوره، كان ترامب في عالمه الخاص، فقد احتفى بالتقرير، وغرّد ساخراً على "تويتر"، موجّهاً كلامه إلى خصومه الديمقراطيين: "لا تواطؤ.. لا إعاقات.. انتهت اللعبة"، مرفقة بصورة من مسلسل "لعبة العروش"، احتجت عليها شركة "أتش بي أو" المنتجة للمسلسل، معلنة في بيان، أنه "على الرغم من أنه يمكن تفهّم الحماسة للمسلسل الآن مع إطلاق الموسم النهائي، ما زلنا نفضّل عدم استخدام حقوقنا الفكرية لأهداف سياسية". بعدها، أكد ترامب في تغريدة لاحقة، أن التدخل الروسي "لم يغيّر" نتيجة الاقتراع الرئاسي.

الآن انتقل الملف إلى ساحة الكونغرس، ومن المتوقع أن تصدر عن اللجان المعنية في مجلس النواب استدعاءات عدة لبار ومولر لتسليم النسخة الأصلية للتقرير، فضلاً عن المثول أمام هذه اللجان في جلسات تحت القسم الدستوري، لنبش خبايا الموضوع ولو أن خيار "عزل الرئيس" تلاشى تقريباً. كما أنه من غير المستبعد أن يفتح الرئيس من جانبه عبر مجلس الشيوخ، جولة من التحقيقات لملاحقة خصومه وتصفية الحساب معهم، بإدعاء "الافتراء على رئاسته في الموضوع الروسي"، بما يفاقم التصعيد والتعقيد. وطالب الديمقراطيون الحريصون على الاطلاع على التحقيقات بأكملها، بالحصول على النسخة الكاملة من تقرير مولر، إذ إن النسخة التي نشرت الخميس حجبت فيها معلومات سرية كثيرة. كما طلبوا من المدعي الخاص الإدلاء بإفادة في مجلس النواب في موعد أقصاه 23 مايو المقبل.

وفي بيان مشترك، رأت الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب نانسي بيلوسي، ورئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أن النسخة التي نشرت من تقرير مولر تقدم "صورة مقلقة لرئيس نسج شبكة من الخداع والأكاذيب والتصرفات غير السليمة، وتحرك كما لو أن القانون لا يطبق عليه". وأضافا أنه "من الضروري وضع بقية التقرير والوثائق الملحقة به في تصرف الكونغرس، وأن يدلي المدعي الخاص مولر بإفادته أمام المجلسين في أقرب وقت ممكن". حتى أن بعض الأصوات في يسار الحزب لوّحت مجدداً بإقالة ترامب. لكن القادة الديمقراطيين يرفضون في هذه المرحلة هذه الفرضية التي تنطوي على مجازفة مع اقتراب حملة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 2020، وستبوء بالفشل في غياب أغلبية موصوفة في الكونغرس.

بدورها، نقلت وكالات أنباء روسية، أمس الجمعة، عن وزارة الخارجية رفضها لنتائج تقرير مولر، وقولها إن "التقرير لم يتمكن من تقديم أي أدلة على تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية". كما اعتبر الكرملين أن "تقرير مولر لا يتضمن أي دليل على تدخل روسي في الانتخابات الأميركية عام 2016". وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إنه "بشكل عام، التقرير لا يتضمن أي دليل منطقي يثبت أن روسيا تدخلت في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة".