"ليبرا" وجه للهيمنة الأميركية

03 اغسطس 2019
ستسمح ليبرا لمليارات المستخدمين بإجراء معاملاتهم المالية(Getty)
+ الخط -
تتفنَّن أميركا كل مرة في سرقة جيوب الشعوب ونهب ثرواتهم بطرق مبهرة، فقد قامت بجمع ذهب العالم مقابل الدوﻻر ثم أدارت ظهرها، وها هي اﻵن تطمح إلى جمع الدوﻻر من كل دول العالم بواسطة عملة رقمية تسمى "ليبرا" "Libra" ستقوم شركة فيسبوك بإطلاقها في النصف الأول من العام المقبل.
ستسمح ليبرا لمليارات المستخدمين بإجراء معاملاتهم المالية في جميع أنحاء العالم. وهذه خطوة كانت غير متوقعة وبإمكانها إحداث نقلة نوعية في عالم العملات الرقمية وزعزعة النظام المصرفي العالمي، لأنّها ستصدر عن مؤسسة تحظى بأكبر شعبية على سطح المعمورة وكأنّها دولة يسكنها ما يقارب 2.4 مليار شخص يستخدمون الفيسبوك شهرياً.

وتأتي هذه العملة تحت حجة فكّ العزلة المالية عن الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المنصات المصرفية التقليدية. ولكن من جهة أخرى يمكن لهذه العملة أن تسلِّط ضوء التمحيص الدقيق على شركة فيسبوك بخصوص انتهاك خصوصية المستخدمين، وسيصبح الأمر أكثر جدية وخطورة عندما يتعلق بجيوبهم ومعاملاتهم المالية.
ستتمكَّن شركة فيسبوك الأميركية من الحصول على مليارات الدولارات من جرّاء إطلاق العملة الرقمية ليبرا في مدّة وجيزة جدّاً، مع وجود هذا الكم الهائل من المستخدمين الذين سيصبح بمقدورهم إرسال الأموال إلى بعضهم البعض والدفع مقابل السلع والخدمات عبر منصات واتساب وفيسبوك ماسنجر.

وسياسات مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، التنويعية هي التي تقوده نحو تكوين ثروات طائلة، ودخوله للقطاع المالي سيضاعف الأصفار على اليمين في هامش أرباحه بشكل غير معقول.
هذا ويتمتَّع زوكربيرغ بذكاء قوي جدّاً وحنكة كبيرة، فهو سيدخل مشروع ليبرا مع شركاء آخرين كالفيزا وماستر كارد وغيرها في البداية، بغية كسب ثقة الناس.

ولكن بعد سنوات سيطلق عملة فرعية أخرى تسمى كاليبرا "Calibra" خاصة بفيسبوك فقط، وذلك بعد أن يأخذ الخبرة الكافية ويتعلم أصول اللعب في القطاع المالي من شركائه.
قد تتمكَّن ليبرا من إزاحة باقي العملات الرقمية والتربُّع على عرش الريادة، بفضل استقرار قيمتها على خلاف العملات المنافسة لها.

فالشيء الذي سيميِّز ليبرا هو أنّها مؤلفة من مزيج من الأصول العالمية، بهدف الحدّ من التقلّبات الشائعة التي تتعرّض لها العملة الرقمية. ومن المعقول جدّاً أن تتفوَّق ليبرا على البيتكوين والعملات المشفرة الأخرى، نظراً لامتلاك فيسبوك قاعدة جماهرية واسعة في العالم. فالبيتكوين دخلت العالم منذ أكثر من 10 سنوات ولكن يستخدمها عدد قليل جدّاً من الناس.

وهذا على عكس ليبرا التي ستحظى باستخدام واسع من قبل مستخدمي فيسبوك، ولن تشكِّل ليبرا تهديداً للعملات المشفرة الأخرى فحسب، بل للمؤسسات المصرفية التقليدية أيضاً، وستجبرها على تحسين وتطوير خدماتها خوفاً من مواجهة شبح الركود والإفلاس.
سترسم ليبرا حافة الهاوية للعديد من البنوك. مثلاً لو قام كل مودع في الغرب بتحويل عُشر مدخراته لليبرا فستتحصَّل جمعية مؤسسي ليبرا على احتياطي قدره تريليونا دولار، وهذا ما يشكِّل قوة هائلة في سوق السندات، والبنوك التي ستجد فجأة أنّ ودائعها تتحوَّل إلى ليبرا ستتعرَّض لذعر مالي شديد، وستضطر إلى تقليل القروض التي تمنحها.

ومن جهة أخرى أيضاً، هناك رسوم جد ضئيلة على المعاملات المالية بليبرا، وهذا ما سيُوفِّر على المستخدمين دفع رسوم التحويلات الباهظة لويسترن يونيون مثلاً وبنوك أخرى يتعاملون معها.
وهذا ما يعتبر عامل جذب مهما جدا للجماهير، فعلى سبيل المثال يخسر العاملون والمهاجرون في الخارج سنوياً ما يقارب 25 مليار دولار كرسوم للتحويلات، وليبرا ستُوفِّر كل هذه المبالغ، لاسيَّما على المغتربين الذين يرسلون الأموال إلى ذويهم.

مع ارتفاع احتمال انتهاك خصوصية المستخدمين ستكون ليبرا محط أنظار المدققين والمراقبين والجهات التنظيمية المالية والمدافعين عن الخصوصية في جميع أنحاء العالم.
حتى قبل صدور ليبرا يواجه فيسبوك حالياً غرامة مالية تصل إلى 5 مليارات دولار أميركي من لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) والتي فتحت تحقيقاً بخصوص انتهاك الخصوصية.

والنجاح الذي حقَّقه مارك زوكربيرغ في فترة وجيزة أكّد أنّه يحتاج لاتّخاذ خطوات استباقية للحفاظ على استمرار نجاحه، وكشف أنّه لن يكتفي بوصل الأشخاص مع بعضهم البعض فقط، بل بربطهم مالياً أيضاً. 
وليبرا هي الخطوة التي خطاها مارك في القطاع المالي العالمي، وبالطبع ستكون البيانات المالية للمستخدمين عرضة للانتهاك والاستهداف من قبل القرصنة الإلكترونية.

حتى تضمن ليبرا الريادة في القطاع المالي العالمي ينبغي عليها أولاً أن تعمل بنفس عمليات التحقق ومكافحة الغش التي تستخدمها البنوك وبطاقات الائتمان، وأن تتَّبع أنظمة جدّ فعالة للكشف عن الاحتيال، بالإضافة إلى وضع إجراءات صارمة للتحقّق من هويات الأشخاص الذين سيستخدمون ليبرا بهدف الامتثال للقواعد الحكومية التي تهدف إلى تخفيف الجريمة الإلكترونية. وإن فشلت ليبرا في إرجاع المبالغ المسروقة من المستخدمين الذين يتمّ اختراق حساباتهم على سبيل المثال فلن ترسم خط نهايتها فحسب، بل ستؤدي بشركة فيسبوك بأكملها إلى الهاوية. وتتحوَّل خطوة الصعود هذه من نعمة إلى نقمة.

والإعلان عن ليبرا جاء في هذا الوقت الحرج في تاريخ شركة فيسبوك التي تخضع لتدقيق كبير بسبب نفوذها الهائل وكذا الشكوك الملتفة حول سوء معاملتها لبيانات مستخدميها.
لذلك يمكن الجزم بأنّ فشل فيسبوك في الحفاظ على خصوصية المستخدمين سيتكرَّر أيضاً في الحفاظ على أموالهم، وهنا ستكون الضربة القاضية إن لم تلم شركة فيسبوك بكافة الثغرات التي قد تتسلَّل من خلالها القرصنة الإلكترونية.

خلاصة القول أنّ ليبرا ستكون أكبر أداة تحكُّم أميركية في البشرية، وفي الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة السلع الصينية وسياسات دول أخرى تهديداً لأمنها، ألا يحِقّ لكافة الدول الأخرى أيضاً أن تعتبر فيسبوك كذلك تهديداً أميركياً لأمنها، لكونه كياناً واحداً ذا رداء أميركي يتطلَّع للهيمنة المالية بعد حصوله على الهيمنة المعلوماتية، نظراً لامتلاكه القدرة على السيطرة والتحكُّم في بيانات المستخدمين وأموالهم وغير قابل للمساءلة.
وفي الوقت الذي تحتدم فيه الصراعات في الدول العربية ينجح الغرب في التسلّل إلى بياناتنا الشخصية ويتطلَّع إلى التحكُّم في أموالنا وأخذ ما في جيوبنا، ألا يجدر بالحكومات العربية النهوض من سباتها العميق وإعطاء الشعلة لروّاد التكنولوجيا والتطوّر العلمي العربي؟

دلالات
المساهمون