"مونوغرافيّات" نقد الفنّ السابع: توثيقٌ نقديّ أم ترفٌ سينمائيٌّ؟

07 ديسمبر 2020
مي المصريّ: حب ومقاومة (جون فيلّيبس/Getty)
+ الخط -

 

مع كلّ فعالية سينمائية، يكتشف نقّاد عرب أنّ سؤال النقد لا يزال مُغيّباً في العالم العربي. غيابٌ يُكرّسه ويُغذّيه انعدامٌ مهول لمونوغرافيّات النقد السينمائيّ في جامعاتٍ ومراكز ومهرجانات ومؤسّسات سينمائية، كان يُمكنها أنْ تكون سبّاقة في تقديم إشاراتٍ عن ضرورة النقد، في زمن ازدياد "البلاهة باسم الفنّ". فمع النقد، تظهر مفاهيم تقنية وجمالية، وقضايا مركزية سياسية واجتماعية، باتت الصورة السينمائية (مقارنة بغيرها) مَسكونة بها، وبما تُتيحه لها من إمكانياتٍ غنيّة، تخييلاً وصناعة.

يستغرب نقّاد مغاربة مصير كتاباتهم بعد رحيلهم، أمام رُهاب أعوامٍ مُتعبة أمضوها في التنقّل بين مهرجانات عربيّة، ومُتابعة جديد السينما والتعريف به في منابر عربية ودولية. خوفٌ كهذا مشروعٌ وصادق، مقابل جحود مهرجانات ومؤسّسات مختلفة، لا تُعنى بـ"جمع" ما كتبه هؤلاء النقاد، الأصدق والأجمل مما يُكتب في جامعات ومختبرات أكاديميّة، بلغة جافة، وخطاب عام يحتكم في أساسه إلى مفاهيم ونظرياتٍ سينمائية ماضية، تُسقَط على العمل السينمائيّ، في غيابٍ تامّ لمُتابعة أيّ جديدٍ سينمائيّ، ومُسايرة صُوَرِهِ الجديدة في علاقتها بالنسيج السياسي والاجتماعي العربيّ.

والناشر هو الآخر غيرُ قادرٍ على الشروط المشروعة للناقد، فنشر كُتب سينمائية يفترض مُعاينة وعِناية فنية وجمالية دقيقة لطبيعة الكتاب، ما يجعل طلب الناقد مرفوضاً.

 

علوم وآثار
التحديثات الحية

 

أولاً: لا وجود لدور نشر عربيّة تطبع كتباً بالمُواصفات الفنية للناقد، فلا يضطر الناشر إلى إرسال الكتاب إلى فرنسا أو بروكسل أو إيطاليا، كشأن عدد من الكتب الفنية المغربيّة المطبوعة هناك. يحتاج هذا إلى دعم كبير، لأنّ الكتاب السينمائيّ يُفترض به أنّ يكون متنوّع الصُوَر والمَشاهد، التي يرافقها خطابٌ نقديّ مينيماليّ، يُشرّح تقنياً هذه الصُوَر، ويبرز خصائصها الفنية والجمالية.

ثانياً: بحسب الناشر، ربما لا يهتمّ القارئ بكتبٍ تجمع مقالات منشورة سابقاً في صحفٍ ومجلات، فالناشر يُفضِّل نقداً أكاديمياً، يحتكم في تحليلاته إلى نظريات ومفاهيم. ورغم عدم نجاح هذا النوع من الكتابة في المغرب، بسبب إسقاطاتها وغلبة التحليل الأدبي الوصفي على تحليلاتها البصرية، بات قرّاء يُتابعون بشغف كتابات نقدية تُحلِّل جديد السينما، وتمتزج فيها أصناف عدّة من التخييل، وأساليب تتراوح بين التقريريّ والخبريّ والنقديّ والتحليليّ.

في مهرجانات سينمائية مغربيّة عدّة، يحضر المُخرج والممثل والسيناريست، ويغيب الناقد السينمائي، لأنّه "مُزعج" بنظر الجهات المُنظّمة. فهو يكشف أعطابها في التنظيم والتسيير، وما تتستّر عليه من خللٍ في اختيار الأفلام وعرضها. تزداد غُربة الناقد أكثر في ندوات سينمائية وطنية، لا يحضرها المخرجون والممثلون، فيجد نفسه أمام جمهور غير مُهتمٍ بالسينما. يشتكي من الأمر للجهة المُنظّمة، فلا تدعوه مُجدداً إلى تقديم أفكاره ومحاضراته.

سياقات كهذه، تجعل نقّاداً كثيرين في المغرب يهجرون الكتابة النقدية السينمائية، إزاء كيفية تعامل مُؤسّسات ومهرجانات "لا سينمائية" معهم. فهي معنية بعرض الأفلام عوض خطاب يُفكّر ويتأمّل في هذه الأفلام، التي لا تنفصل سياقاتها السياسية والاجتماعية عن خطاب الناقد، ما يُعرِّض المهرجانات إلى جرعات مُفرطة من المُشاهدة، من دون أيّ تنظيمٍ لندوات ولقاءات مع نقاد سينمائيين، يُجمّلون خطاب الفيلم ويُفكّكوه، ويمنحوه حياة أخرى في الفكر والإبداع.

مؤسّسات سينمائية غربية عدّة تتعاقد مع نقّاد لكتابات نقدية عن مخرجٍ معيّن مثلاً. هذا يزيد من قيمة الناقد أمام نفسه، فخطابه النقدي مرغوبٌ فيه، والمؤسّسات السينمائية تتفاعل معه، ويتلقّفه القرّاء بشغف، فتكون المونوغرافية النقدية حياة جديدة للمُخرج، في "فحصٍ نقديّ"، يفتح الفيلم على ما ينضح به من إمكانياتٍ جمالية أو أعطابٍ فنية. هذا يُكرّس أهميّة المُخرج في النسيج الثقافي لمحيطه، ويُساهم في ذيوع أعماله بشكل أكبر وأسرع.

ورغم أنّ هذه المونوغرافيّات قليلة في مؤسّسات غربية، إلا أنّها موجودة على الأقلّ، تضمن ذيوعاً أكبر للناقد، وتمنحه مكانة مرموقة في الأوساط السينمائية الغربية، فتتصدّر أعمال المُخرج، وتُوثِّق صُوره وأفلامه ونقاشاته وحواراته.

 

 

عربياً، تغيب هذه السياسة، وإنْ وُجدت تُجهض بعد أعوام، لغياب مؤسّسات تُدعِّم الفكرة وترعى حقوق النقد والناقد، مقارنة بالفنّ التشكيلي، الذي له مونوغرافيّات كثيرة، لكنّها تظلّ مع ذلك تحت تأثير الفنان وتصرّفاته، الذي يكون المسؤول الأول والأخير عن نشر هذه المونوغرافيّات النقدية. علماً أنّ كتباً كهذه يُشارك في كِتابتها عادةً نقّاد عديدون، لا ناقد واحد، ما يُزيحها قليلاً عن مفهوم المونوغرافيّة، فيتمّ تعويضها باسم كتاب فنيّ أو كاتالوغ.

مونوغرافيّات النقد السينمائيّ مشروعٌ كبير، يحتاج إلى جرأة حقيقية في برامج مؤسّسات فنية وجامعات. في الوقت الذي يعلن فيه "المركز السينمائي المغربي"، سنوياً، لائحة دعم أفلام قصيرة وطويلة وثائقية وروائية، لماذا لا يُعلن أيضاً عن تخصيص مكانة للناقد في هذا الدعم، بالتعاقد على كتابة مونوغرافيّات نقدية عن مخرجين مغاربة وآخرين. هذا يوفّر سنوياً مكتبة نقدية وسينمائية، تخدم الطالب والباحث المُتابع لأطوار تشكّل السينما العربيّة وسماتها الفنية والجمالية والتقنية، على ضوء مُستجداتٍ تعيشها المنطقة العربية، سياسياً واجتماعياً.

بمناسبة صدور كتاب "الحبّ والمقاومة في أفلام مي المصري" (2020)، لفيكتوريا بْريتين، يبرز موضوع المونوغرافيّات النقدية في المشهد السينمائي العربيّ. ورغم إصدار مهرجانات مصرية كُتباً سينمائية على نفقتها، منذ أعوامٍ عدّة، تظلّ صناعة الكتاب، فنياً، مطروحة أمام أهميّته. فكتب كهذه (أو بعضها على الأقلّ) باتت اليوم مرجعاً للباحثين في شؤون سينمائية مصرية، رغم الاختلاف الكبير بين بعضها، استناداً إلى المونوغرافيّة النقدية، التي تشترط اختياراً دقيقاً في القراءة والنظر والتحليل، بتتبع أفلام المُخرج، وتكثيف خطاب نقدي عن أعماله.

ربما تكون القراءة التحليلية لفيلمٍ واحدٍ أشبه بتحليل نصّ قصصي أو روائيّ. كتابةٌ كهذه يمتزج فيها التحليل بالنقد، والقراءة بالتأمّل، وكثافة القول بغرابة السيرة. هذه الأخيرة، تُعتَبر المُحرّك الخفيّ للمونوغرافيّات، فهذه تتحكّم فيها الاختيارات الفنية والجمالية للناقد لأعمال مخرجٍ ما.

المساهمون