"أيضاً رأيت" لـ باسل زايد: للعابرين وللطيور

12 ديسمبر 2021
يستشف المستمع في كل أغنية من العمل روحيّة التعبير الشعري (العربي الجديد)
+ الخط -

كما يرنو المرء إلى فسحٍ بعيدٍ، فيتأمّلُ سكونَ الطبيعة تارّةً، وطيف مارّة أو حركة طير متهادٍ تارّةً أخرى، كذلك يشكّل ألبوم "أيضاً رأيت"، للموسيقي الفلسطيني، باسل زايد، بمحتواه الحسي السمعي (الموسيقى والغناء) والصوري (النصوص) والبصري (رسوم حسّان مناصرة)، موضوعاً للتأمّل.

وإذ يتضمّن "أيضاً رأيتُ" قصائد نثرٍ ذات أساليبٍ كتابيةٍ مختلفة، باختلاف كتّابها، ألا وهم سركون بولص وجورج شحادة ووديع سعادة وعبّاس بيضون وأنسي الحاج؛ فإن في هذا الألبوم مجالاً لألوان كثيرة من التعبير الإنساني. النصوص الملحّنة في هذا العمل، لا تنحصر بثيمة فكرية واحدة، كالقضية السياسية (وهو ما طبع بعض أعمال زايد السابقة)، أو موضوع شعوريٍ واحدٍ، كالشوق أو الخيبة، بل تضمّ انطباعات وحالات شعورية عديدة، وترميزات غامضة.

هكذا، وبعد أن أفضى باسل زايد في ألبومه السابق، "ثلاثي أين"، ببراعته التأليفية الآلية، يعود مرّة أخرى في "أيضاً رأيت" إلى تلحين القصائد. ويقوم بذلك بمراعاة كبيرة للنص، إذ يستشف المرء في كل أغنية روحيّة التعبير الشعري. ونظراً إلى أن القصائد الملحّنة في هذا الإصدار هي قصائد نثر، تنطوي هذه الأغاني كذلك على علاقةٍ مرنةٍ بين المعنى والشكل، من حيث أنها لا تتضمّن قالباً كلاسيكيّاً موسيقيّاً محدداً مسبقاً، يتواءم مع وزنٍ وقافيةٍ محكمَين.

بالنسبة إلى المحتوى الموسيقي للألبوم، يمكن القول إنه وبعد بداية مقلقة مع أغنية "الكاذب" (قصيدة "متى صدق الكاذب" لـ أنسي الحاج)، يتدّرج الألبوم بغزارة وتنوّع الإيقاع في أغاني و"رأيت أيضاً" و"القتلة"، وبصخبٍ مع فالس "ضجيج"، ثم في "انتظرناك" و"جلّاد"، ثم ينتهي بهدوء يتمثّل بتطوير أكبر للتّتابع الهارموني وغياب الآلات الإيقاعية في أغنية "هناك حدائق". وبالرغم من تجانس أغاني الألبوم من حيث عناصره الموسيقية؛ فإن لكل أغنية فرادتها الجديرة بالاعتبار من حيث الشخصية والمعاني.

يتيح "أيضاً رأيت" للمستمع بشكل عام التأمّل في الخيارات الموسيقية لباسل زايد؛ إذ تشكّل بداية كل أغنية لحظة ترقّب إلى حين انقشاع شخصيتها الكاملة لنا. في هذا السياق، يمكن القول إننا نجد لحظات من الصمت المعلًّق، وأنه تم دفع حدود تعبير آلة التشيلو (نسيم الأطرش) بحيث إنها بدت أحياناً وكأنها "تصدر أصواتاً".

تمثلّ ذلك بأصوات الانزلاق على أوتارها، أو الاهتزاز السريع لها. لحظات كهذه، تجلّت بوضوح في أغنية "رأيتُ أيضاً"، وقد ساهمت هذه الأصوات في إرساء جو غامض على هذه الأغنية، التي هي أصلاً فيها ترميز يشي بالريبة، كما في "رأيت أصابع تحاول أن تصير غصونًا"، و"عيوناً تريد أن تصير ثماراً" و"شجراً في الدم".

يتميّز هذا العمل، بشكل عام، بالتنويع الإيقاعي الكبير (ماتياس كُنزلي)، ما يشدّد على عنصر الحركة فيه. لكن لا يمكننا القول إن هذا يجعل الألبوم صاخباً؛ إذ إن فيه أغاني غاية في الهدوء. وبالتالي، تتراوح أغاني هذا الألبوم بين إيقاع بطيء جداً، لا آلات إيقاعية في توزيعها تقريباً، أو إيقاع متهادٍ مليء بتفاصيل التعبير الإيقاعي.

وإن نظرنا عن كثب مرة أخرى إلى أغنية "رأيت أيضاً"، التي استوحي عنوان الألبوم من السطر الأول لها، نرى أن الموسيقى فيها توحي بمراحل عدّة من التجوال والاختبار في "مكان ما"، ومن هنا تأتي أهمية كلمة "رأيت". ونُقلت هذه المعاني بآلة التشيلو، كما ذكرنا، ولكن أيضاً عبر التوزيع الإيقاعي كمثل استباق كل "جولة جديدة في ذلك المكان المريب"، بلحظة صمت قصيرة معلّقة.

وانتقالاً إلى رؤية أكثر تفصيلية للأغاني، نبدأ بأغنية "الكاذب". أهم العناصر الموسيقية في هذه الأغنية، هي التوزيع الإيقاعي ووجود نمطية محدّدة تتكرر في الجمل اللحنية. فالنمط الإيقاعي الذي تم به افتتاح الأغنية، يطبع كل نهاية وبداية كل مقطع.

ونجد في الأغنية، كذلك، نمطاً محدّداً للجمل اللحنية؛ فهي سيّارة يلحقها صعودٌ في المدى الصوتي الموسيقي، ثم هبوطٌ فيه. الأغنية بشكل عام أمينة إلى حد كبير للنص الشعري، من حيث إن الفوارق بين الجمل في كل هبوطٍ في المدى الصوتي تلتقي مع فوارق تعبييرية مختلفة في القصيدة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك، إنهاء الأغنية بإيقاع صاخب يتلاقى مع ذروة النص الشعري، وعبارة "جسدي يقرع كالأجراس".

أما بالنسبة إلى أغنية "ضجيج" (وديع سعادة)؛ فنرى فيها اضطراباً يتمثّل بإيقاع الفالس، و"تأرجح" مفردة "ضجيج" التي لا تنفك تتكرّر وتمتد في الزمن الإيقاعي. ينكسر هذا الاضطراب رويداً رويداً مع انتقالات متدرّجة تونالية ودائرية، تزامناً مع إعلان النص الشعري عن أن ذاك الضجيج ليس "حقيقيّاً" إلا في داخل قلب المضطّرب. هكذا، وفقط عندما نكون قد أخذنا مسافة من ذلك القلب وفهمنا "ما دهاه"، تعود وتحط بنا الأغنية إلى الأصل التونالي للأغنية، ليستعيد باسل زايد ويكرر: "في قلبه ضجيج". كل هذا يخطفنا إلى حالة من المد والجزر تحاكي تهادي الفالس تارة، وحميّته تارة أخرى.

أما أغنية "جلاد" (سركون بولص)، فهي بالأساس قصيدة من ثلاثة أسطر، صاغها زايد لتصبح "أطول"، كي تتبلور كأغنية. وقد نتج عن إعادة الصياغة تلك، غناء زايد للكلمات تارةً في الديوان العالي، وطوراً في الديوان المنخفض من جهة أولى، وتنويعه في التوزيع الإيقاعي من جهة ثانية، وقسره النصف الثاني من الأغنية على موسيقى آلية يترأسها العود والأصوات الإيقاعية من جهة ثالثة.

يكتسب التوزيع الموسيقي للآلات الإيقاعية والتأثيرات الصوتية دوراً أساسيّاً في أغنية "انتظرناك" (سركون بولص)، ليؤمّن عامليْ الإثارة والتنويع وسط تكرار وأحادية وتيرة الجمل اللحنية. هكذا، فالعنصران الأخيران تقابلا وتكاملا في التعبير عن كل الارتقاب والضجر، وهما عنصرا ثيمة الأغنية وهي الانتظار. تتشابه أغنية "انتظرناك" مع أغنية "القتلة" (عبّاس بيضون) من حيث أهمية دورالتوزيع الموسيقي فيها. غير أن أداء زايد للكلمات بطريقة أشبه بالكلام منها بالغناء في مقطع محدّد من أغنية "القتلة"، ساهم بشكل إضافي بالتشديد على تظهير نبض الأغنية.

تمتاز كل من أغنيتي "هناك حدائق" و"طائر إفريقيا" (جورج شحادة)، بالطابع الهادئ والإيقاع البطيء. يهيمن على "هناك حدائق" جوّ حزين، وألوان هارمونية قد تبدوغير مألوفة. تعود غرابة هذه الألوان إلى مسافات وتركيبة سلّم الـ"دو" الصغير التي كُتِبَت فيه الأغنية، وبالتالي التنويعات الهارمونية التي تنطوي عليه. رغم التأمل الحزين المتلبّد في سماء الأغنية، ينفذ إلينا انفراج في سياق تطور الكلمات في آخر الأغنية، مع مقطع "غير أن القمر بلّور من السعادة".

وأخيراً في أغنية "طائر إفريقيا"، ينقل لنا باسل زايد عبر الموسيقى مشهدّية الخريف الكئيب والطير المهاجر. وقد ترجم زايد هذا الأمر موسيقيّاً عبر الإيقاع الهادئ وصوت التشيلو المنخفض. وتنقل هذه الأغنية جوّاً من السكون من خلال غلبة الانتقالات الهارمونية على التنويع الميلودي.

رأينا، إذن، أن هناك حدّاً من التفاوت بين أغاني "أيضاً رأيت" من حيث شخصيّتها ومن حيث عناصرها الموسيقية، ففي بعضها حدّد التوزيع الإيقاعي شخصيّة الأغنية إلى حد كبير، أما في بعضها الآخر فلم يكن هناك آلاتٍ إيقاعيةٍ بتاتاً. كما أننا نجد في بعض الأغاني مركّباتٍ إلكترونية، في حين أن هذه المركّبات غائبة في البعض الآخر. رأينا، كذلك، أنه تم إيلاء أهمية للكلماتِ، من حيث إنها تعبير عن الشعريّة أولاً، بدلاً من أن تكون أداة تعبيرٍ عن البلاغة اللغوية.

يشكّل هذا الألبوم بالنسبة إلى المستمع خبرة حسيّة سمعية وصورية وبصرية، إذ إن رسومات حسّان مناصرة، بأشكالها المحسوسة البصريّة، تساهم في بلورة الصور الذهنية التي تتولّد عند الاستماع إلى الأغاني-القصائد، ما يضع المستمع في رحلة حسّية، يغرف فيها معاني الأغاني وصلتها بالرسومات.

تتشابه اللوحات بألوانها، أي الأحمر القرمزي على خلفيّة زرقاء بتروليّة، وهو ما يقترح علينا وحدة الألبوم. يتمثّل إبداع مناصرة بخياراته في تمثيل كنه كل أغنية عبر "ضغط" معاني كلماتها في موضوع رسم رئيسي في اللوحة. وقد ارتكز بالتوازي أسلوب الرسم على أشكالٍ هندسية، تنطوي بمناحيها ورفعها أو ثخنها، على جانب جمالي ومعان رمزيّة متعددة.

نرى، على سبيل المثال، في رسمة "جلّاد" تقليص الجلاد-الإنسان إلى مجرّد عيون تقفُ على زوجٍ من الجزم العملاقة (البسطار العسكري)، ما يقترح علينا طغيان وظيفة الجلاد المتمثلة بالتعنيف، على وجوده وسماته الإنسانية.

وفي رسمةِ "ضجيج"، يمثّل مناصرة التضاد الذي يعاني منه القلب المضطرب، أي تضاد الضجة المترائية في ملء الوحدة الفعلية. وقد مثّل مناصرة ذلك برأس بشري عقله مسكون بالناس في حين أن أذنيه مُغلقتان.

أما أغنية "الكاذب"، فمثّلها مناصرة برأس بشري يبدو كما لو أنه مصنع لمعالجة الأكاذيب. تتيح لنا تفاصيل هذا العمل الأخير أن نستمتع بالتأويل المسهب في معاني الرسمة، مثل سبب اختيار العين لتمثيل الآلات. قد يكون صحيحا أن مناصرة حاكى الفكرة الفلكلورية التي ترى أن النظرة تكشف مخابئ الروح. أما في رسم أغنية "انتظرناك"، فنرى براعة مناصرة في تصويره المشاعر الإنسانية، بخطوط هندسية بسيطة، إذ يتراءى للمرء فعلاً أن في تلك الرسمة نظرة من يقبع ضجراً منتظراً مجيء شخص آخر.

يمكننا تبيّن هذا في بعض الخيارات الموسيقية لباسل زايد، في ما كان برأينا تقديم المعنى على الشكل؛ ففي هذا الألبوم لا نجد الكثير من التنويع الميلودي، وكثيراً ما نرى تكراراً للجمل اللحنيّة من أجل تكريس المعنى المنقول، وغالباً تتقاطع لحظة الذروة في الموسيقى مع مثيلتها في القصيدة.

بشكل عام، تكتسب الأغنية سياقها في عالم الإنتاج الموسيقي العربي المعاصر على مستوى علاقة الشكل بالمعنى. نرى ذلك حين تناولت أعمالاً عديدة أخرى معاصرة قصيدة النثر، في دائرة الإنتاج الموسيقي العربي المعاصر في لبنان وفلسطين وسورية، وذلك منذ الثمانينيات. والأمثلة على ذلك عديدة، ومنها جاهدة وهبي التي غنّت قصائد أنسي الحاج، كما غنّى تامر أبو غزالة قصائد لسركون بولص.

يمكننا بناء على كلّ ذلك طرح فرضية حول كون خيار النصوص/القصائد في الإنتاج الموسيقي المعاصر غير الجماهيري بصفته أحد أشكال تمايز الفنّانين في ما بينهم. والفنّانون الذين نتحدث عنهم هنا هم أولئك الذين هم غالباً مستقلّون عن شركات الإنتاج الكبرى (مع أنّ الأمر لا يخلو من الاستثناءات)، والذين عادة ما نعيهم بشكل عام كموسيقيين "فعلاً" (على غرار نعت الموسيقى الغربية الكلاسيكية بـ "الموسيقى الجديّة")، بالمقارنة مع فنّاني الموسيقى الشعبية والتجارية.

معظم من يغنّي أو يؤلّف موسيقى معاصرة، تكون كلماتها عبارة عن قصائد عادة ما يكون في دائرة الفنّانين المستقلّين عن شركات الإنتاج الكبرى. هؤلاء الفنانين يعتمدون على جمهور محدد، وسمعة بنوها على مدى سنين يقومون بصيانتها مع كل إنتاج موسيقي جديد لهم. ويكون في هذه الدائرة من الفنّانين من هم مصنّفون في أذهان الجماهير على أنهم "جدّيّون"، فيما غالباً ما لا يكون الفيديو كليب (video clip) أو الشهرة هو ما يتمايز به الفنّان عن غيره في هذه الحالة، بل الرأسمال الثقافي الذي يمتلكه، والذي يتمثّل بأشكال مختلفة، مثلاً الالتزام السيّاسي، أو بالعكس؛ أي التأكيد على عدم الالتزام السياسي، في مزج أو عدم مزج الموسيقى الغربية بالعربية، أو كما في حالة ألبوم "أيضاً رأيت"، حيث العودة إلى نوع معيّن من القصائد وكتّاب محدّدين.

وإن أخذنا بعين الاعتبار أن معظم النصوص الشعرية التي تم غناؤها، حتى من قبل الموسيقيّين المستقلّين أنفسهم، هي مقفّاة  وموزونة، وأن بعض الشعراء، مثل محمود درويش والحلاج، تم استهلاك أساميهم ونصوصهم في هذه الدائرة، يبدو خيار باسل زايد لقصيدة النثر والشعراء غير المشهورين على نطاق واسع شعبيّ (ما عدا أنسي الحاج ووديع سعادة) -بعكس، مثلاً، محمود درويش ونزار قبّاني- برأينا قيمة تمايزية في دائرة الفنانين المستقلين. وهذا الأمر لا ينفصل ولا ينفي المسألة الفنّية التي رأيناها موجودة في الألبوم عند الربط بين الشكل والمعنى.

إن غياب عرض البراعة التأليفية الصاخب في "أيضاً رأيت"، يساهم في التعرّف على الذوق التأليفي لباسل زايد؛ إذ يمكننا تقدير جمال الجملة اللحنية فيه، ببساطتها، كما نتأمّل في بعض خصوصيّات أسلوبه الموسيقي. مثلاً، تمثيله المتواتر للفوارق التعبيرية من خلال ثنائية القرار والجواب، وأسلوبه في التنويع على الجمل الغنائية.

يضيف باسل زايد على الإنتاج الموسيقي العربي المعاصر، وجهة نظره العملية في مسألة الشكل والمعنى في الأغنية، عبر تلحينه قصائد نثر، وتعاونه مع حسّان مناصرة.

المساهمون