هوامش على دفتر الوكسة

06 نوفمبر 2015
+ الخط -

ـ الكل يعرف أنه موجود الآن. لكن، لا أحد يعرف من هو بالضبط. أتحدث عن ذلك الجنرال الذي يجلس هذه الأيام أمام شاشات التلفاز، ليشاهد خطب عبد الفتاح السيسي ولقاءاته وتصريحاته، فيقول لنفسه، أو لمن حوله "الراجل ده هيودي البلد في داهية"، قبل أن يذهب إلى النوم، مُمنّيا نفسه بأحلام، تشبه أحلام الأوميجا التي "ودّت البلد في داهية".

ـ تختلف طرق الحكام في التعبير عن دهشتهم، حين تدور عليهم الدوائر، أنور السادات مثلا أخذ يغمغم في ذهول: "مش معقول مش معقول". حسني مبارك استسلم للصمت واكتفى باللعب في مناخيره، محمد مرسي انتابته حالة هستيريا وهو يصرخ في قاضيه: "إنت مين يا عمي"، أما عبد الفتاح السيسي فقد أصبحنا نعرف الآن أنه سيكتفي بتكرار عبارة "ما يصحش كده".

ـ أعترف أنني ظلمت حزب النور السلفي، حين ظننت أنه لجأ إلى المال لشراء أصوات بعض المرشحين المسيحيين، لينزلوا على قوائمه في الإنتخابات. اكتشفت سوء ظني، حين شاهدت مرشحة مسيحية للحزب، ترد بصوتها الحيّاني وحواجبها المتحركة، على محامٍ وصفها بأنها عار على المسيحيين، قائلة له "يعني إيه عار.. بوس ولا كبس يعني"، لأكتشف أنها "سلفية في أباحتها"، بدليل استخدامها هذا التعبير التراثي الذي كاد يتعرض للإندثار من حياتنا، لولا أن ساق الله له هذه السيدة سلفية النهج، التي دفعت آلاف الشباب للبحث في الإنترنت عن معنى هذا التعبير، فمنهم من لم يجد عُقاداً نافعاً، ومنهم من اهتدى إلى أهل العلم، الذين قالوا له إن هذا التعبير الشعبي العتيق يفرّق بين الممارسة الجنسية الخارجية التي يشير إليها لفظ (بوس) والممارسة الجنسية الكاملة التي يشير إليها لفظ (كبس)، وأن ربط العار باللفظين كان يستخدم في الأحياء الشعبية، للتمييز بين عار من يتم ضبطها في حالة البوس ومستلزماته، وعار من تم ضبطها وهي في حالة الكبس وملحقاته، والتعبير قادم من لغة بائعات الهوى "المرخّصات" في أوائل القرن الماضي، حيث كان يستخدم لإستطلاع رغبات الزبون القادم إلى أماكن الدعارة. على أية حال، لا أدري لماذا لم يستفد حزب النور من خبرات مرشحته وقاموسها اللفظي الثري، إذ لربما اشتد الإقبال على انتخابه، لو قام في المرحلة الثانية بتغيير شعاره الإنتخابي من (حزب النور وضوح وطموح)، إلى (حزب النور بوس وكبس).

ـ لم يعد أي عاقل يستبعد أي ضرب من الجنون في مصر، بما فيه أن يغطي السيسي على فشله في حماية مدن مصر وقراها من الغرق، بإعلان كل المدن والقرى الغارقة فروعا جديدة لقناة السويس.

ـ مع كل تقديري لتأثر عمرو أديب بمنظر بكاء المصورة الشابة، إسراء الطويل، في المحكمة بعد الإستمرار في تجديد حبسها الظالم، وهو تأثر لم يصدر عن مناضلين سابقين، أصبح لهم مكان محفوظ في شاشات التلفزيون، لكن تعبير "الرحمة فوق العدل" الذي استخدمه عمرو في حديثه عن قضية إسراء ليس له محل من الإعراب، إلا حين يكون هناك عدل أصلاً في مصر. ما جرى لإسراء الطويل، وما يجري مع آلاف المعتقلين، ظلم فاجر فاحش، أما الرحمة فسيطلبها لنفسه حتماً، كل من يوافق على هذا الظلم أو يبرره، حين تحل عليه وعلى غيره، عواقب الرضا بالظلم أو عواقب السكوت عنه.

ـ كل يوم تصادف على مواقع التواصل الإجتماعي معارف لك، يعتبرون أن إسراء الطويل تستحق العقاب، أياً كانت حالتها الصحية، لأنها تورطت في عدة جرائم، يرددونها نقلا عن حسابات موجودة على الإنترنت. وحين ترد عليهم وتفند ما يقولونه، وتقول لهم إنها متهمة بالإنضمام إلى جماعة إرهابية، وهذه تهمة أصبح فيها كلام كثير بعد حكم محكمة النقض الأخير، فيعلو صوتهم بتذكيرك بأنها متهمة ببث أخبار كاذبة، من دون حتى أن يعرفوا كنه الكذب الذي بثته بالفعل، ولن يجدي سؤالك لهم حينها: لماذا لا يطالبون بمحاكمة عبد الفتاح السيسي ومساعديه، لبثهم أخباراً كاذبة وخطيرة، حين بشروا العالم باختراع القوات المسلحة جهاز لعلاج الإيدز وفيروس سي، وتحويلهما إلى كفتة. وحين ثبت زيف ذلك الإختراع لم يُحاسب أحد منهم، بل تم الإنتقال إلى مزيد من الأكاذيب التي يتواصل فضحها كل يوم. أنت أذكى من أن تسألهم أسئلة كهذه، وتواجههم بما يقعون فيه من تناقضاتٍ، لا تليق بمن يدّعون التحضر والثقافة، فأنت تعلم أن المسألة لا علاقة لها بالحقائق أو الأكاذيب، بل لها علاقة بالقوة والبطش، ولو كان عكاز إسراء الطويل يبطش ويقمع، مثل سلاح عبد الفتاح السيسي، لصدقه هؤلاء على الفور.  

ـ حتى الآن، لا أعرف إهانة يوجهها أحد لنفسه، أبلغ أو أقسى، من إصراره الشديد على أن الفيديو الذي ظهر فيه يقول كلمة الحق لأول مرة، هو فيديو "مفبرك".     

ـ أصعب ما في الأمر أنك مضطر لأن تتعامل بجدية، مع رئيس يصرح على الملأ أن "الجيش منذ ثورة 1952 لم يتدخل في السياسة"، كأن أسلوب الحكم يحدده نوع قماش بدلة الحاكم، وليس خلفية من يلبس تلك البدلة، والمؤسسة التي يعتمد عليها في حكمه، وطريقة التفكير التي تربى عليها، أو دعنا نقل بشكل أدق "طريقة عدم التفكير" التي تربّى عليها.

ـ ستدرك أنه يمكن وجود مشتركات في الرأي بين السيدة جيهان السادات وأنصار التيارات الإسلامية المتشددة، حين تقرأ تصريحها الذي قالت فيه أنها "ستقف إلى جانب السيسي، حتى يصل إلى ما وصل إليه السادات".

ـ قصّرت الفنانة رانيا محمود ياسين في دفاعها عن سماحة الإسلام دين الحرية والعقل، حين اكتفت بطرد ملحد من الإستديو، بدلا من أن تضربه بالحذاء أو تحاول خنقه على الهواء، لكي تؤكد إيمانها بسماحة الإسلام دين الحرية والعقل، وأرجو أن يتم تدارك هذا الخطأ في حلقات قادمة.

ـ عملت بنصيحة صديق فيسبوكي، وجدته شديد الحماس لـ "تيست"، يؤكد لك أنك ستدرك شكل حياتك في المستقبل، إذا أخذت أقرب كتاب إليك، وفتحته على صفحة 45، فعلت ذلك والتقطت أقرب كتاب إليّ، وفي صفحته الخامسة والأربعين وجدت العبارة التي يفترض أن أدرك من خلالها شكل حياتي، وكانت تقول "ليس ثمة سيناريو غير متوقع اليوم، فكل الإحتمالات قائمة، وكلها تتمتع بقدر من الإحتمالية والواقعية"، أقفلت الكتاب، وحذفت مروِّج "التيست" من قائمة الأصدقاء، وحين أرسل لي يعاتبني، ويسألني عن سر حذفه، كتبت له رداً يقول: "كل الإحتمالات قائمة، وكلها تتمتع بقدر من الإحتمالية والواقعية".    

ـ يبقى أصدق تعبير عن هذه المرحلة الصعبة ما قاله الفنان الطليعي، محمد سعد، الذي لم يهضم تاريخ الثورات ومراحلها المضطربة والمتقلبة، بل ربما اعتمد على فطرته فقط، عندما قال في فيلم (تتح) قولته الخالدة "ربنا يعدي الستين سبعين سنة دول على خير". 

605C8788-2DB9-4AE6-9967-D0C9E0A2AD31
بلال فضل
كاتب وسيناريست من مصر؛ يدوّن الـ"كشكول" في "العربي الجديد"، يقول: في حياة كل منا كشكولٌ ما، به أفكار يظنها عميقة، وشخبطات لا يدرك قيمتها، وهزل في موضع الجد، وقصص يحب أن يشارك الآخرين فيها وأخرى يفضل إخفاءها، ومقولات يتمنى لو كان قد كتبها فيعيد كتابتها بخطه، وكلام عن أفلام، وتناتيش من كتب، ونغابيش في صحف قديمة، وأحلام متجددة قد تنقلب إلى كوابيس. أتمنى أن تجد بعض هذا في (الكشكول) وأن يكون بداية جديدة لي معك.