هذه الأحزان السورية

29 ابريل 2016
+ الخط -
فاقد الشيء لا يعطيه. تنطبق العبارة على نواح كثيرة. وهناك ظاهرة مؤلمة لدى الناس منذ بداية الثورة السورية، هي العزلة وتراجع كبير في العلاقات الإجتماعية وذبول الصداقات، ونشوء عداوات بين الناس، كما لو أن رائحة الكره المريض تفوح في هواء سورية، كما لو أن كل سوري يختبئ في شرنقة حزنه وحيداً، ذلك أن المأساة السورية لم تترك بيتاً إلا وآذته بدرجات مختلفة، لكن هذه العزلة ليست اختيارية، بل يمكن وصفها بالإضطرارية، لأن كل سوري صار غارقاً بمأساته الخاصة، من هوسه وهلعه بسبب سحب أولاده إلى الجندية. وبالتالي، أن يعودوا إليه جثثاً، إلى قلقه الكبير عن كيفية تدبير الأموال للمهربين، كي يهربوا أولاده الذكور خارج سورية، حتى أن عائلات عديدة اضطرت لبيع سياراتها أو بعض أثاث منزلها، لتؤمن مالاً كثيراً للمهربين، إلى المشكلة التي هزت مستوى الحياة السورية، وهي انهيار الليرة والغلاء الفاحش للأسعار وغلاء الأدوية، ما أدى إلى زيادة ذعر السوري من الأيام المقبلة، وتدهور مستوى معيشته تدهوراً كبيراً، حتى أن عائلات كثيرة استغنت عن السمك واللحوم والفاكهة، واكتفت بما يسد الرمق.
وملخص تداعيات المأساة على حياة السوري أنه صار منكفئاً يعيش في شرنقة عزلته مُجتراً آلامه، محتاراً كيف يتحايل على كل تلك المصائب، لينجو أولاده على الأقل من الجحيم، ويستحيل أن تبقى النفس البشرية في تلك الظروف طبيعية، بمعنى أنها مُقبلة على الحياة، وتشعر بالأمان والاستقرار، وتثق بالمستقبل، كل تلك القيم نُسفت في سورية. قال لي أحد الآباء: لم أعد ألتقي بأحد من أصدقائي، لأنني مكتئب وقلق، والأهم لأن كل واحد منهم يمثلني، كما لو أنني أرى صورتي في المرآة، لكل منهم همومي نفسها، ولا يمكن لموجوع ومهزوم أن يُعزي موجوعاً ومهزوماً. نحتاج إلى معجزة تنقذنا من مشاعر القهر والحزن والقلق والعجز، وميزانيتي لم تعد تحتمل تكاليف ارتياد المقاهي.
أي حالة مُخزية ومؤلمة من أن يتحول الصديق والجار والقريب من إنسان نتوق لرؤيته، إلى إنسان نتجنب لقاءه، لأن وضعه يُجسد مأساتي، كما لو أن وجه الصديق ينكأ جرحي بدل أن يُعزيني، واختزلت النشاطات الإجتماعية في التعازي بشبان سوريين استشهدوا وماتوا بطرق مختلفة، وازداد عدد معوقي الحرب، وتشوهت الحياة، كما لو أنها أصيبت بسرطان الحزن. وصار الزمن نفسه عدواً للإنسان، فكل يوم يبدأ يعني سماع أخبار جديدة عن قتلى ودمار وقصف، وعن انسداد أفق الحل، وأصبحت الخلافات في قراءة الناس لما يجري على الأرض السورية مصدر قطيعة بين الناس، حتى بين الإخوة والأزواج والأشقاء، وكم شهدتُ من حالات قطيعةٍ بين أشقاء وأصدقاء، بسبب خلافهم في قراءة ما يجري في سورية، ولم ينفع رصيد صداقة مديدة وأخوة في تبديد أو التغلب على القطيعة. أصبحت أحاديث الناس، حين يلتقون في أوقات تزداد تباعداً مجرد شكوى وأنين آلام مزمنة، أي حديث يمكن أن تتبادله أمهات الشهداء، أو أمهات المخطوفين، أو الغرقى في البحر، أو من هاموا في بلاد الله الواسعة، منتظرين رحمة الدول الأوروبية. هل ثمة حديث طبيعي يجمع الناس في سورية، وفي ظروف كلها مأساوية، ولا تمت للحياة الطبيعية التي أهم ما يميزها الأمل والاستقرار والثقة بالحياة. يستحيل أن يبقى الناس طبيعيين، بل ستشمهم المأساة، وتدخل في تفاصيل حياتهم رغماً عنهم. أي خزي أن تذبل صداقات وتكاد تحل القطيعة، لأن كل صديق أو صديقة غارق من رأسه حتى أخمص قدميه، في مأساته التي هي جزء من جحيم وطن نازف غارق بدماء أبنائه، ولأن وجود الآخر لم يعد مُعزياً، بقدر ما غدا مرآة لآلام وجروح روحي، كما لو أنني أستنسخ إنساناً مأساوياً متألماً مثلي، بينما أنا أحتاج لمُخلص ولمعجزة تُعينني في تحمل مأساتي.
شرنقه الحزن أو العزلة الاضطرارية وشكل الحياة المشوه في سورية، حيث اختزلت النشاطات الاجتماعية إلى مجرد تعاز، هي ما دفعت كل إنسان للانكفاء داخل شرنقة عزلته وأحزانه، وهي، حسب علم نفس المجتمعات، ليست أصيلة في النفس البشرية التواقة للفرح وحب الحياة، بل مفروضة كالكابوس على الناس، بسبب ظروف الاستبداد والحرب القذرة التي وقودها شبان سورية وأطفالها ونساؤها.
لا تقل الآثار النفسية للحرب التي غالباً ما يُقلل من قيمتها الجميع من وسائل إعلام وسياسيين، وحتى المجتمع الدولي، أهمية عن الخسائر المادية للحرب من دمار وخراب وانهيار اقتصادي.
أتمنى أن تتمزق شرانق الحزن، وأن يُشرق الأمل في نفس كل سوري، وأن يعود للصداقات بريقها وإشراقها، والأهم الإحساس بالمشاركة الوجدانية والحياتية، لأن تلك العزلة الكابوسية ليست اختيارية، بل مفروضة ضريبة باهظة على كل سوري متألم وخاسر ويائس من ظروف بالغة الوحشية والقسوة.
دلالات
831AB4A8-7164-4B0F-9374-6D4D6D79B9EE
هيفاء بيطار

كاتبة وأديبة سورية