نزار قرّافي: الاقتصاد هو مفتاح الحلّ السياسي في تونس

26 اغسطس 2015
نزار قرّافي (العربي الجديد)
+ الخط -
يؤكد رئيس جمعيّة المحاسبين العموميّين في تونس، نزار قرّافي، أن السياسات الاقتصادية هي الأساس لحل الاضطرابات السياسية والاجتماعية، مؤكداً أن الحرب على الإرهاب يجب أن تمتد نحو الاقتصاد.

وهذا نص المقابلة:

*ما هي طبيعة عمل جمعيّة المحاسبين العموميّين التونسين؟

تأسّست الجمعيّة التونسيّة للمحاسبين العموميّين في 2011 بعد اجتماعات مطوّلة للمحاسبين العموميّين ليخرج هذا الهيكل إلى النور. وتضمّ الجمعيّة المحاسبين العموميّين المباشرين والمتقاعدين بالإضافة إلى منخرطين شرفيّين من الأعوان الماليّين الذين شغلوا سابقا خطّة محاسب عموميّ. وبالنسبة لتمويلنا فهو ذاتي، مصدره مساهمات المنخرطين.

أمّا عن أهدافنا فهي تتلخّص في أربعة خطوط كبرى تسعى الجمعيّة لتحقيقها، الهدف الأوّل والمحوريّ يتمثّل في الدفاع عن المصالح الماديّة والمهنيّة والاجتماعيّة للمحاسبين العموميّين. ثانياً، تسعى جمعيّتنا إلى تأطير المحاسبين العموميّين في مجال عملهم من خلال دورات تكوينيّة وورشات عمل وملتقيات وطنيّة نسعى من خلالها إلى تبادل التجارب والخبرات. كما تعمل الجمعيّة على ربط الصلة مع باقي مكوّنات المجتمع المدني والفاعلين في المجال الاقتصاديّ وخصوصاً في القطاع الماليّ. وأخيراً نحن نحاول أن ننشر الوعي الجبائيّ بين جميع فئات المجتمع، فالمصاعب الحاليّة التي تواجهها الماليّة العموميّة نابعة بالأساس من الصورة الضبابيّة السائدة حول دور المحاسبين العموميّين والمصالح الجبائيّة بصفة عامّة.

*لماذا انتظرتم كل هذه الأعوام قبل تأطير المحاسبين العموميين في جمعية؟

في الحقيقة، الفكرة مقتبسة من التجربة الفرنسيّة، حيث سبقنا الفرنسيّون منذ ثمانينات القرن الماضي إلى تأسيس هيكل جمعياتيّ يتمحور نشاطه الأساسيّ حول الثقافة الجبائيّة والشأن الماليّ بصفة شاملة. ولكن كان علينا أن ننتظر في تونس ثلاثين سنة لنتمكّن من خوض تجربة مماثلة نظراً لحالة الانفتاح التي شهدتها البلاد بعد ثورة 2011 والطفرة التي عرفها المجتمع المدنيّ بمختلف مكوّناته وأطيافه.

وهذه الجمعيّة لا تلغي الهياكل النقابيّة المختلفة، بل هي مكمّل لها وتعمل على الإحاطة بالمحاسبين العموميّين بشكل أشمل لا ينحصر فقط في حقوقهم المهنيّة، بل تمتدّ لتشمل التكوين وإنشاء فضاء للحوار وتبادل الآراء والخبرات والتجارب.

اقرأ أيضا: هل تعفي تونس عمن نهبوا الاقتصاد بحجة دعمه؟

*خلال أربع سنوات، هل استطاعت جمعيّة المحاسبين أن تحدث فرقاً ما على الساحة الماليّة التونسيّة؟

رغم أنّ عمر الجمعيّة لم يتجاوز بالكاد الأربع سنوات، إلّا أنّها استطاعت أن تخلق نشاطاً غير معهود في الدوائر الماليّة وتمكّنت من ترسيخ عادات جديدة في هذا المجال، إذ استطعنا أن ننشئ اليوم الوطني للمحاسب العموميّ الذي حظي باعتراف السلطة الرسميّة، بل وتحوّل إلى ورشة سنويّة تجذب إليها مختلف الفاعلين في الشأن المالي والاقتصاديّ للمزيد من التشاور والتباحث حول الواقع الجبائيّ وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.

كما أنّ الجمعيّة التونسيّة للمحاسبين التونسيّين كانت طرفاً في الاستشارة الوطنيّة لمشروع الإصلاح الجبائيّ رغم ملاحظاتنا على هذا المشروع، إلّا أنّنا كنّا حاضرين كقوّة اقتراح وكطرف خبير بالعمل الميدانيّ في هذا المجال. هذا بالإضافة إلى نشاطاتنا الجهويّة وحملاتنا التحسيسيّة في مختلف المحافظات لنشر الوعي الجبائيّ بين المواطنين وأصحاب المؤسّسات على حدّ سواء.

اقرأ أيضا: هل يكون الاقتصاد التضامني حلاً لأزمة تونس؟

*بعد الثورة، طرحت العديد من المسائل والمعضلات الاقتصاديّة للنقاش والتشاور بغية البدء في عمليّة إصلاح شاملة على غرار مشروع الإصلاح الجبائي وقانون منع غسل الأموال والمصالحة الوطنيّة الاقتصاديّة، فهل كان للجمعيّة موقف ومن هذه القضايا؟

موقعنا الحسّاس والمحوريّ في المجال الماليّ العموميّ وضعنا أمام ضرورة التحرّك والمساهمة في بلورة رؤية واضحة تجاه القضايا التي استعرضتموها في سؤالكم.

بالنسبة لمشروع الإصلاح الجبائيّ الذي ما يزال تحت الدرس حتّى هذه اللحظة، فقد تمّ إشراكنا في جلسات الحوار وتقدّمنا بمجموعة من المقترحات بخصوص إصلاح المنظومة الجبائيّة ومعالجة المشاكل التي تعترضنا من خلال مباشرتنا لواجباتنا المهنيّة اليوميّة. ولكن السلطة للأسف تجاهلت الملفّ الذي قدّمناه دون شرح للأسباب. أمّا بالنسبة لموقفنا من المشروع ككلّ فقد كنّا واضحين منذ البداية، إذ نعتبر في جمعيّة المحاسبين العموميّين أنّه لا يمكن الحديث عن أيّ عمليّة إصلاح في ظلّ وضع اجتماعيّ وسياسيّ مضطرب، خصوصاً أنّ الدولة ليست بالقوّة التي تمكّنها من فرض سلطة القانون، لذلك ستبقى القوانين والتوصيات حبراً على ورق، ما دامت الإرادة السياسيّة غائبة، بالإضافة إلى غياب الإمكانات الماديّة واللوجستية.

*ماذا عن موقفكم من "مشروع المصالحة الوطنية الاقتصادية"؟

بخصوص مشروع المصالحة الوطنيّة الاقتصادية، نحن نحاول أن نبلور موقفنا تماشياً مع الواقع المعاش والإمكانات المتاحة. للأسف، وأمام تفاقم العجز في الموازنات الماليّة العموميّة نحن مضطرون للمضيّ قدما في مشروع المصالحة الوطنيّة على أمل استرجاع جزء من الأموال التي لن تحلّ المشكلة لكنّها قد تخفّف من وطأة العجز.

ولكننا نصرّ على ضرورة توفير شرطين أساسيّين لنجاح هذا المشروع وهما الشفافيّة التّامة في التعامل مع مختلف الملفّات والقضايا، وتأسيس الهياكل المستقلّة القادرة ماديّاً وقانونيّاً على متابعة عمليّة المصالحة وضمان مصالح الدولة وتجنّب شبهة الفساد والمحسوبيّة.

أخيراً، نحن استبشرنا بقانون منع غسل الأموال الذي صار حاجة ملحّة أمام تفاقم عمليّات تبييض الأموال وارتباطها الوثيق بالإرهاب الذي وجّه ضربات موجعة لقطاعات استراتيجية في الدولة على غرار القطاع السياحيّ. وعلى هذا الأساس فالجمعية التونسيّة للمحاسبين العموميّين تعتبر أنّ الحرب على الإرهاب لا تقتصر على الجانب الأمني، بل وجب توجيه جزء من جهود الدولة لتجفيف منابع الإرهاب الاقتصاديّة ومصادر تمويله التي تأتي معظمها من عمليات تبييض الأموال والتهريب، حيث تغيب رقابة الدولة والمصالح الماليّة عن هذه الأموال ليتمّ توجيهها فيما بعد لتمويل عمليات التخريب والترهيب.

ولكنّنا في الآن ذاته نشدّد على ضرورة توفير جميع الإمكانات للمصالح الماليّة المختصّة لتقوم بدورها على أكمل وجه، حيث إنّ النصّ وحده لا يكفي لمكافحة شبكات تبييض الأموال والتهريب، بل يجب أن يقترن التشريع بالتطبيق وتوفير التغطية الماديّة للحرب الاقتصاديّة على الإرهاب.

اقرأ أيضا: الاقتصاد التونسي في العشرية المقبلة: مكانك سر

*كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن مفهوم العدالة الجبائيّة ومسألة التهرّب الضريبيّ، هل ترون أنّ الوصول لمرحلة العدالة الجبائيّة ما يزال بعيد المنال؟

مقارنة ببعض الدول، نحن ما زلنا نعاني من مشاكل هيكليّة في المنظومة الجبائيّة، ولكنّنا في المقابل في وضعيّة أفضل بكثير من دول أخرى. إذن، الحديث عن العدالة الجبائيّة لا يستقيم بشكل كامل في تونس، لكنّ إلقاء اللوم على الإدارة دون غيرها نعتبره إجحافاً ومجافاة للواقع. فالمعضلة الأساسيّة تتمثّل في نقص الوعي الجبائيّ في أوساط المواطنين وأصحاب المؤسّسات. وهو ما لمسناه من خلال العديد من اللقاءات مع أصحاب الشأن. إذن فالمعضلة أكبر من مجرّد تهرّب ضريبيّ أو مشاكل تقنيّة في مصالح الجباية، بل تمتدّ على مناخ من عدم الثقة بين مختلف الأطراف وغياب للشفافيّة وللآليات اللازمة للتنفيذ ومن ضمنها المحاسبون العموميّون.

وهنا أجدني أعود للهدف الرئيسيّ لتأسيس جمعيّة المحاسبين العموميّين، وهو نشر الوعي الجبائيّ وتوضيح مفهوم الجباية ودورها في التنمية ودفع الاستثمار العموميّ وضرورة ترسيخ مبدأ التشاركيّة بين مختلف الأطراف للنهوض بالاقتصاد التونسيّ، حيث إنّ الوضع الحالي المتدهور يعود بالضرر على الجميع دون استثناء.

*ما مدى تجاوب أصحاب رؤوس الأموال مع الجهود المبذولة لإصلاح المنظومة الجبائيّة وتحرّكات الجمعيّة لنشر الوعي الجبائيّ؟

رجال الأعمال الوطنيّون والنزهاء يعلمون تمام العلم أنّ إصلاح المنظومة الجبائيّة وترسيخ الشفافيّة يخدم مصالحهم ويساهم في تعزيز المناخ التنافسيّ وخلق أرضيّة صلبة للاستثمار المحليّ والأجنبيّ. إذن فالمصلحة متبادلة ولكنّني لا أنفي أنّ بعض هؤلاء يعتبرون أنّ المضيّ قدما في عملية الإصلاح يضرّ بمصالحهم الاقتصاديّة نظراً لتورّطهم في نشاطات غير مشروعة على غرار التهريب والتهرّب الضريبيّ. ولكن وبصفة عامّة، فإنّ التجاوب من قبل رجال الأعمال وأصحاب المؤسّسات يبدو مشجعّاً على المضيّ قدما نحو هدفنا الكبير وهو تحقيق العدالة الجبائيّة في تونس.

هل يساهم المجتمع المدني في جهودكم التوعوية؟

نعم، وأنا أوجه نداءً إلى مختلف مكوّنات المجتمع المدنيّ للتمسّك بما تحقّق على صعيد العمل المدنيّ وتعزيز النسيج الجمعياتيّ الذي نعتبره أحد أهمّ مكاسب الثورة، خصوصاً أنّ تماسك المجتمع المدني ويقظته تعتبر صمام أمان حقيقيّ لمناخ الشفافيّة والديمقراطيّة.

كما أنّنا في جمعيّة المحاسبين العموميّين ندعو جميع الأطراف الفاعلة في الساحة الاقتصاديّة كالسلطات الرسميّة ورجال الأعمال والنقابات والجمعيات، إلى الالتزام بمبدأ التشاركيّة والحوار وتبادل الآراء لمعالجة مختلف القضايا والمشكلات التي يواجهها الاقتصاد التونسيّ.

وأخيرا، إنّنا نسوق عتباً على الإعلام التونسيّ الذي تجاهل البعد الاقتصاديّ وصبّ جام اهتمامه على الشأن السياسيّ والأمنيّ رغم نداءاتنا المتتالية بضرورة معالجة مختلف القضايا بشكل شامل. خصوصاً أنّ العامل الاقتصاديّ يعتبر مفتاح الحلّ لمختلف الاضطرابات الاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة.

اقرأ أيضا: وداد بوشماوي: القطاع الخاص التونسي مطالب بتحقيق أهداف الثورة

التهرّب الضريبي يتمدّد في تونس
أكد تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير، أن تونس تقع في المراتب الأولى من بين الدول التي يستفحل فيها التهرّب الضريبي. وقد حلّت تونس في المرتبة 79 في ترتيب الدول الأكثر فساداً في العالم. في حين أثارت فضيحة "سويس ليكس" مطلع العام الحالي هذه القضية. وترتبط "سويس ليكس" بوثائق سرية تظهر مساعدة مصرف "أتش أس بي سي" لعملائه على التهرّب الضريبي، وطالت الفضيحة 106 آلاف شخص من 203 بلدان مُطالبون بمبالغ تفوق 100 مليار دولار. وبيّنت الوثائق تورط 679 حساباً مصرفياً لحوالي 279 تونسياً، بمبالغ وصلت إلى 554 مليون دولار.

ويشير تقرير صادر عن معهد "كارنيغي" إلى أن حصة العائدات الضريبية في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 15% في مصر والأردن، و20% في تونس، مقارنةً بـ35% في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بدوره، أكد آخر تقرير للبنك الدولي أن الشركات المرتبطة بعلاقات سياسية في تونس قبل الثورة استطاعت التهرّب من دفع رسوم جمركية بلغت 1.2 مليار دولار على الأقل في الفترة من 2002-2009. في حين تفيد التقارير بأن حجم خسارة الخزينة التونسية يصل إلى 10 مليارات دولار من جراء التهرب الضريبي. وكان رئيس مجلس إدارة البورصة التونسية خالد الزريبي قد أعلن في مقابلة مع "ملحق البزنس" في مايو/ أيار الماضي، أن التهرب الضريبي إحدى معضلات الاقتصاد التونسي.

اقرأ أيضا: المديونية في تونس: لعنة تلاحق كل الأجيال

بطاقة:
نزار قرّافي، خريج المدرسة العليا للعلوم الاقتصاديّة والتجاريّة في تونس، ومتخصص في قطاع المالية في المدرسة الوطنيّة للإدارة. عيّن قابضاً ماليّاً في قرطاج وقابضاً للممتلكات المصادرة. ويشغل مهمة متفقّد مركزيّ للمصالح الماليّة منذ 2013 بالإضافة إلى قابض ماليّ في منطقة البحيرة
المساهمون