نتنياهو يستثمر نتائج الاتفاق النووي لتكريس قيادته

18 يوليو 2015
نتنياهو سيستغل الاتفاق لانتزاع مكاسب من الغرب(دون إميرت/فرانس برس)
+ الخط -

تبقى المفارقات الإسرائيلية والانتهازية التي تميّز السياسة الإسرائيلية الداخلية لافتة ضمن سياسات الدول؛ فمثلما يصوّت "الفقراء والشرقيون" المرة تلو الأخرى لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على الرغم من ازدياد رقعة الفقر في إسرائيل والفجوة بين فقرائها وأغنيائها، فإن فشل الخط المعلن للأخير في مواجهة المفاوضات بين إيران والدول الغربية، لم يشكّل دافعاً لحركة احتجاج ضدّه أو اتهام صريح له بالفشل. ولم يأت مثل هذا الاتهام بصوت قوي وواضح مثلاً إلا من خصمه وشريكه في الحكومة السابقة، يئير لبيد، والذي يتحرك مدفوعاً برؤيته الحزبية الضيقة بأنه لا أمل له بأن يعود إلى حكومة بقيادة نتنياهو لرفض الأخير له، أكثر مما هو بفعل رفضه هو المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو.

اقرأ أيضاً: خيارات نتنياهو محدودة تجاه إيران: الاستنفار العسكري للردع فحسب

وقد أثبت نتنياهو مرة أخرى، خلال الأيام الثلاثة الماضية منذ التوقيع على الاتفاق مع إيران، أنه قادر على توجيه دفة الحوار والنقاش السياسي والحزبي في إسرائيل إلى الاتجاه الذي يريده، وذلك من خلال ألاعيب وتحرّكات مكثفة توضح أن الرجل لا يزال يعمل بعقلية رجل المبيعات والدعاية الذي يضع مسبقاً عدة خيارات للتحرك في حال فشل خياره الأول.

فقد تمكّن نتنياهو، عبر تسريع النشر في الصحف الإسرائيلية في اليومين الماضيين حول وجود اتصالات، وإن كانت قديمة، مع زعيم المعارضة إسحاق هرتسوغ لضم الأخير إلى الحكومة، وما تبع ذلك من حديث عن استعداده لإعادة صياغة الخطوط العريضة للحكومة بالتوافق مع الأخير، من نزع شوكة المعارضة الإسرائيلية، خصوصاً بعدما أعلن في الكنيست غداة الاتفاق الإيراني أنه آن الأوان لأن يتحد تلاميذ زئيف جابوتينسكي، المؤسس التاريخي لحركة الصهيونيين التنقيحيين، والتي ولد من رحمها اليمين الإسرائيلي، وتلاميذ أول رئيس حكومة للاحتلال دايفيد بن غوريون لمواجهة التحديات التي يفرضها الاتفاق.

وشكل الاصطفاف المباشر لهرتسوغ في تعقيبه الأولي على الاتفاق بأنه لا معارضة في إسرائيل لقضايا الأمن، وتجنده للمعركة، أول نصر عملياً لنتنياهو في الجبهة الداخلية. فقد كسر هذا التصريح، وما سبقه من أنباء عن تجنّد هرتسوغ وزعيمة المعارضة تسيبي ليفني في البيت الأبيض ضد الاتفاق، شوكة المعارضة الإسرائيلية، ووفر على نتنياهو معركة لتبرئة ساحته من تهمة فشل خطه السياسي، مع أن المحللين والمراقبين ورجال السياسة أقروا بفشل خط نتنياهو، لا سيما في اختياره التصعيد باتجاه القطعية مع إدارة باراك أوباما، بدلاً من الحوار البناء.

غير أن مكاسب نتنياهو لن تنتهي ولن تتوقف عند كسر شوكة اليسار؛ وبعدما ضمن "تخبطاً في صفوف المعسكر الصهيوني" في مسألة الانضمام إلى حكومته، نصب في الوقت نفسه شركاً لخصمه الآخر في الحلبة الإسرائيلية، أفيغدور ليبرمان، والذي سعى في البرلمان في الأسابيع الأخيرة إلى إحراج الائتلاف الحكومي في مسألة تخويل الحكومة صلاحيات تحديد حجم ونسبة شركات التنقيب عن الغاز من الأرباح.

ويتوقع أن يكرر نتنياهو في الأيام المقبلة، وهو يرى ويستقبل طوابير رجال السياسة والزعماء الغربيين في تل أبيب، من دون إبداء أي لياقة دبلوماسية، كما فعل مع وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، أن حكومته لن تسلم بالاتفاق وستبذل كل جهد لتحقيق اتفاق أفضل وإجهاض الاتفاق الحالي، وأن إسرائيل لن تتنازل عن حقها في الدفاع عن أمنها ووجودها، بكل الطرق المتاحة، ملوحاً بالخيار العسكري، لا سيما أن استطلاعاً لصحيفة "معاريف" أخيراً أظهر أن 47 في المائة من الإسرائيليين يرون وجوب توجيه ضربة إلى إيران، وهذه حجة لتحصيل المزيد من المساعدات العسكرية والمالية، وبالأساس تكريس التفوق الكمي والنوعي الإسرائيلي على الدول العربية قاطبة.

كذلك يوفر الاتفاق لنتنياهو أداة وسبباً لإخضاع شركائه في الحكومة للقبول بتقليص الموازنة العامة للدولة، ورصد المزيد من الميزانيات لمواجهة التحديات الأمنية الجديدة.

وأخيراً، فإن الاتفاق مع إيران، خصوصاً بعدما أقر كافة قادة الأحزاب الإسرائيلية الفاعلة "بالخطر الذي يحمله لإسرائيل"، سيريح نتنياهو كلياً من "وجع رأس" المسيرة السلمية والتوصل إلى تسوية دائمة، أو الخوض في الأشهر القريبة، على الأقل، في سيناريوهات لإطلاق المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. إذ إنه لن يغامر أي حزب إسرائيلي، سواء أكان في المعارضة أم في الائتلاف في فتح هذا الملف في الوقت الذي "يتهدد إسرائيل خطر وجودي" تمثّله إيران.
أما في حال سعى وسطاء أو أطراف أوروبية أو حتى أميركية إلى تحريك هذا الملف، فإنها لن تجد لدى نتنياهو، وهو مسلح الآن "بالخطر الوجودي الإيراني"، أي استعداد أو قبول لبحث أي مقترحات في هذا السياق مع أطراف يتهمها نتنياهو اليوم بأنها قدمت كل التنازلات لإيران وقامرت، على حد تعبيره، بمصير إسرائيل ووجودها، وسيرفع عقيرته مجدداً بالدعوة لترتيبات إقليمية مع الدول "السنية المعتدلة" وتعزيز التعاون الأمني معها بداية لمواجهة إيران وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) قبل أي شيء آخر.

اقرأ أيضاً: آخر معارك أوباما: تسويق الاتفاق النووي داخلياً

المساهمون