سيناريو سياسي لضيق التنفس الديمقراطي

09 اغسطس 2016

في مركز اقتراع في الانتخابات البلدية بالرباط (4 سبتمبر/2015/Getty)

+ الخط -
يدلّ الميل إلى وضع السيناريوهات في السياسة، قبل الانتخابات في المغرب عادةً، على نوع من ضيق التنفس الديمقراطي. ذلك أن السلاسة الديمقراطية لا تتماشى وتأويل الاقتراعات قبل وقوعها.
يمكن أن نضع سيناريوهاتٍ لفوز هذا الطرف أو ذاك، عندما تكون قواعد التحكيم الشعبي ساريةً، ومتعارفاً عليها، وهي المسطرة الوحيدة في الحكم على كل مكوّنٍ من مكونات السياسة والحقل الوطني، ويمكن، أيضاً، أن تسير التوقعات، في درجاتٍ ما من التفاعل مع الشأن العام، إلى محاولة تكيييف الرأي العام وإيجاد المناخ المناسب لفوز هذا الطرف أو ذاك، كما يحدث في اللحظات الحرجة من العيش المشترك، أو كما يحدث في الديمقراطيات الغربية، عندما يعمل اليمين المتطرف جابِياً الاصوات التي يفرزها الخوف، من الإرهاب أو من الرُّهاب المرتبط بالآخر، فيما يشبه الاقتصاد السياسي للخوف. غير أن ما يحدث في بلاد المغرب الأقصى أن السيناريوهات تتعلق بالإخراج السياسي لما تفرزه صناديق الاقتراع، وهذا، بحد ذاته، مثار تخوف واستيهامات سياسية.
ماذا يحصل بالضبط؟ يتوقع الكثيرون الموضوعيون في السياسة، أو الأنصار المنافحون عن حزب العدالة والتنمية الذي يقوده رئيس الحكومة الحالية، عبد الإله بنكيران، أن الحزب سيتصدّر النتائج في تشريعيات 7 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
هذا الفوز أكّدته انتخابات المحليات والجهويات في سبتمبر/ أيلول الماضي، والتي اكتسح بموجبها حزب بنكيران قرابة 80٪ من الأصوات في المدن الكبرى والمتوسطة، كما أنها كشفت أن الحزب إياه نال قرابة 600 ألف صوت إضافية عما حصل عليه في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، والتي جرت في جو سياسي، إقليمي ودولي مشحون، وطبعته رياح الربيع العربي، وصعود موجة العمق الإسلامية، في دول الجوار، كما في قلب الشرق الأوسط. وقتها حاز الحزب على 107 مقاعد، بضعف الأصوات الإضافية، ويرى بعض من محبي الرياضيات البحتة، في حساب المقاعد الانتخابية، أن الأصوات الإضافية، المحصل عليها بعد أربع سنوات، تعطيه ما لا يقل عن 40 مقعداً إضافياً.
هذه الخطاطة النظرية يسعفها واقع آخر، هو قدرة الحزب نفسه على تعبئة قرابة نصف العدد
من الناخبين الجدد الذين تم تسجيلهم في اللوائح الجديدة عبر الإنترنت، أو بالتسجيل المباشر، من دون أن ينافسه حزب آخر. وعلى الرغم من الإشكالات التي رفعتها المعارضة في وجه التسجيل المذكور، وعلى الرغم من التفاعلات التي تمت في هذا الإطار، فإن الناخبين الجدد يعطون الحزب "الحاكم" مقاعد إضافية، ومسافة سَبْقٍ لا ينازعه فيها أحد من الأحزاب المتصارعة أو المتحالفة معه.
وإذا كانت هي ذي "حقائق" الأرقام، والتي جعلت جزءاً من الطبقة السياسية تعتبر أن الجولة شبه محسومة، فإن ما يرادفها هو كثرة السيناريوهات الباحثة عن "حلّ" للمعادلة الانتخابية عبر إخراج سياسي، يكون فيه حزب العدالة والتنمية نصف ناجح.
ومما يؤخذ عليه أن رئيسه عبد الإله بنكيران يزعج كثيرا القاموس السياسي المتعارف عليه في المغرب، ويكسر كثيراً من أعراف الفعل السياسي، عندما يتحدّث عن وجود دولتين في المغرب (انظر مقال صاحب هذه السطور في "العربي الجديد" "ماذا يقع في أعالي الدولة؟" 12 يوليو/ تموز 2016).
وواضح أن جزءاً من تصريحاته أحدثت غضباً في أعالي الدولة، بل لم يخل خطاب العاهل المغربي، أخيراً، من توبيخٍ واضحٍ، فهمته الطبقة السياسية والرأي العام، موجهاً إلى رئيس الحكومة. وقد ورد على لسان العاهل المغربي، في خطاب العرش الذي يلقيه في 30 يوليو/ تموز من كل سنة "ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارساتٍ تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحاتٍ ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمسّ بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولةٍ لكسب أصوات وتعاطف الناخبين…".
وقد تابع الرأي العام، منذ مدة، الصراع الذي يقدّم الاقتراع المقبل صراعاً بين بنكيران والمربع القريب من الملك، أو "الدولة التي لا نعرف من أين تأتي بقراراتها"، كما قال عبد الإله بنكيران نفسه في خطابٍ صريحٍ أمام اتباعه.
كان الخطاب نفسه واضحا في موقع الملك الذي ينسب إلى محيطه مناصرة الحزب الغريم لـ "العدالة والتنمية"، أي حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتزعمه القيادي اليساري السابق، إلياس العماري. عندما ذكر الملك بالبديهيات الدستورية والوضع الاعتباري لشخصه، قائلاً "وبصفتي الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، فإنني لا أشارك في أي انتخاب، ولا أنتمي لأي حزب. فأنا ملكٌ لجميع المغاربة، مرشحين وناخبين، وكذلك الذين لا يصوّتون، كما أنني ملكٌ لكل الهيئات السياسية، من دون تمييز أو استثناء. وكما قلت في خطاب سابق، فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب. ومن ثم، فشخص الملك يحظى بمكانةٍ خاصةٍ في نظامنا السياسي. وعلى جميع الفاعلين، مرشحين وأحزاباً، تفادي استخدامه في أي صراعات انتخابية أو حزبية"، غير أن هذا التأكيد لم يمنع العقل السياسي المغربي، كما يكشفه النقاش في الإعلام، والصراعات في شبكات التواصل الاجتماعي، من اختبار قدرته على.. الخيال.
لم يدخل الكتّاب، ولا صناع المخيلة، هذا المجال، بل تركوه لرجال الإعلام وبعض الباحثين
والصالونات السياسية في كل التيارات. والخيال، هنا، يستند إلى البحث عن بديلٍ، لم تفرزه بعد صناديق الاقتراع.
والبحث عن سيناريوهاتٍ تجمع بين استباق ما قد يعتقده بعضُهم "ميول الأمير"، كما يحدّدها مكيافيللي، وحقائق النتائج التي لم تظهر بعد بشكل رسمي. قد يرى فيه بعضهم سباقا نحو الهاوية، كما قد يرى فيه نوعاً من شدّ الحبل بين مغربيْن، واحد يسير نحو الأمام والثاني يجرّ نحو تجارب سابقة، لكن حقيقة الوضع الدستوري لم يترك المجال فارغاً في حال ظهرت النتيجة واضحة. ومع ذلك، نتابع السيناريوهات……. القادمة:
أغلبية لعبد الإله بنكيران، تعيده إلى منصة الحكم، كما تقتضي البداهة الديمقراطية. أغلبية لحزب بنكيران، على أن تؤول رئاسة الحكومة إلى قيادي آخر من حزبه. فوز انتخابي من دون أغلبية حكومية، أي أغلبية المقاعد لحزب بنكيران، لكنه قد يعجز، لأسبابٍ يعرفها المغاربة عن تشكيل حكومته. وبالتالي، يطلب الملك من الحزب الذي يليه تشكيل الاغلبية. السيناريو الرابع، ويدافع عنه أنصار حزب حزب الأصالة والمعاصرة، وهو حصول حزب إلياس العماري على الرتبة الأولى في الاقتراع، وتشكيله الحكومة بسهولةٍ أكبر من بنكيران، نظراً لأن أغلبيته تكاد تكون قائمة من الآن. حصول حزب العدالة والتنمية، وحزب الاستقلال، الحليف الجديد بقيادة حميد شباط، على ما يكفي من المقاعد، ليقودا تحالفاً حكومياً يضم إليه "التقدم والاشتراكية"، وكلا الحزبين (الاستقلال والتقدم) من مكونات الكتلة الديمقراطية التي كانت تضم "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" أيام عبد الرحمن اليوسفي، والاتحاد الوطني بقيادة المرحوم عبد الله إبراهيم، ومنظمة العمل بقيادة المقاوم بنسعيد ايت يدر التي ستنصهر، في ما بعد، في حزب الاشتراكي الموحد.
وهذا السيناريو حلم جزءٍ من اليسار الحكومي، والقوى المثقفة، بل راود حتى أطرافاً من المعارضة، سبق أن دعا إليه، في سياقٍ مختلفٍ تماماً، المفكر محمد عابد الجابري رحمه الله. والواضح أن هناك نوعا من الاختناق في الحلم السياسي، لا يبادر إلى تقوية الصراع على قاعدة تمايز فكري ثقافي وسياسي، لا سيما وأن الرئيس عبد الإله بنكيران نجح في تحويل جوهري للصراع: من تقديم جردة الحساب على قاعدة الأداء الاجتماعي والاقتصادي للحكومة، والتي كان فيها ليبرالياً حد التوحش، إلى معادلةٍ أخرى: من مع التحكم ومن ضده. وهو ما يغدي الفانظازم السياسي فعلاً، ويكشف عن نزوعٍ نحو الخيال السياسي، أكثر مما يسعف القراءة المبنية على نتائج سابقة، وأخرى محتملة.
768EA96E-E08E-4A79-B950-D8980EE5911C
عبد الحميد اجماهيري

كاتب وشاعر وصحفي مغربي، مدير تحرير صحيفة الاتحاد المغربية، مواليد 1963، عمل في صحيفتين بالفرنسية، من كتبه "أوفقير .. العائلة والدم.. عن انقلاب 1972"، ترجم كتابا عن معتقل تازمامارت. مسوول في فدرالية الناشرين المغاربة.