الحريري في السعودية مُجدداً: تطبيع علاقات أم تثبيت للخيارات؟

28 فبراير 2018
يلتقي الحريري الملك سلمان وولي عهده(أنور عمرو/فرانس برس)
+ الخط -
وصل رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، فجر اليوم الأربعاء، إلى المملكة العربية السعودية، تلبيةً لدعوة رسمية من الملك سلمان بن عبد العزيز، وذلك بعد ثلاثة أشهر على زيارته الأخيرة، التي فاجأته شخصياً في توقيتها، قبل أن تُفاجئ الساحة السياسية اللبنانية كلها بالاستقالة التي أعلنها رئيس الحكومة من الرياض، قبل أن يتراجع عنها مع عودته من إقامة "غير طوعية" في السعودية امتدت لمدة ثلاثة أسابيع.

وعدّل الحريري أمس الثلاثاء من جدول أعماله حتى يتمكن من تلبية الدعوة الملكية بشكل سريع، وغادر بيروت منتصف الليل على متن طائرةٍ خاصة، أقلّته مع عدد قليل من المرافقين.

وعكست الصور التي تمّ تداولها لوصول الحريري إلى الرياض أجواء ودية بينه وبين المستشار نزار العلولا، المُكلّف من قبل الديوان الملكي بمتابعة الملف اللبناني، والوزير المُكلّف وليد البُخاري، اللذين استقبلاه في المطار. كما عكس حضور السفير اللبناني الجديد في المملكة، فوزي كبارة، الذي قُبلت أوراق اعتماد مؤخراً بعد أشهر طويلة على تقديمها من قبل الخارجية اللبنانية، مزيداً من الإيجابية الدبلوماسية. ​

ومن المُفترض أن يلتقي الحريري اليوم الملك سلمان وولي عهده محمد، لبحث العلاقات اللبنانية - السعودية على أكثر من صعيد. هذه الأصعدة، منها ما هو مرتبط بعلاقة الحريري الشخصية مع المملكة وأثر هذه العلاقة على خيارات "تيار المستقبل" (الذي يرأسه الحريري) السياسية خلال الانتخابات النيابية المُقررة في السادس من مايو/أيار المُقبل. ومنها ما هو مرتبط بوضعية لبنان في الصراع الإيراني - السعودي المُستمر في المنطقة، وذلك بعد مضي الحريري في خيار "ربط النزاع" مع "حزب الله" عبر التسوية الرئاسية التي أدّت إلى انتخاب حليف "الحزب"، ميشال عون، رئيساً للجمهورية اللبنانية، مُقابل عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة. ​

وإلى جانب الاختلاف الجذري بين شكل زيارة الحريري اليوم وشكل الزيارة السابقة، فإن الحريري يزور الرياض اليوم وهو مُتحرر من "المُخبرين"، بعدما أعاد ترتيب بيته الداخلي الذي أصبح خالياً من "السبهانيين"، نسبة إلى وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، الذي طبع اسمه مرحلة التصعيد السعودي تجاه لبنان، وتجاه الحريري شخصياً. 

وقد كشفت تفاصيل زيارة الموفد العلولا إلى بيروت خلال اليومين الماضيين بعضاً من أوجه المقاربة السعودية الجديدة للبنان. وهي تنطلق من التعامل الدبلوماسي الرسمي مع الدولة اللبنانية مُمثلة بالرؤساء الثلاثة، مع إعادة ترتيب قائمة حلفاء المملكة في لبنان، وتصدير رئيس "حزب القوات اللبنانية" كحليف أولّ، وتخصيصه بجلسة طويلة، امتدت قرابة أربع ساعات على جدول أعمال الزائر السعودي الذي اعتبر نفسه "في بيته" خلال زيارة معراب، مقر إقامة جعجع شمالي بيروت. أما الحريري فقد أصبح رئيساً للحكومة فقط، بعدما كان وريثاً لعقود من العلاقات السياسية والاقتصادية المُميزة التي نسجها والده رفيق الحريري مع آل سعود.

ومن شأن المباحثات الثنائية بين الحريري الابن وبين ولي العهد محمد بن سلمان أن تُعيد بعضاً من الحرارة إلى العلاقة بين الطرفين، أو أن تُبقي الحريري في تموضعه الجديد "رابطأً النزاع مع حزب الله" في الحكومة، ومُتحالفاً مع "التيار الوطني الحر" (حليف "حزب الله")، ومواجهاً لمُرشحي "المبادرة الوطنية" المدعومين من المملكة في عدد من الدوائر الانتخابية ذات الأغلبية السُنية والمسيحية.

وقد قدّمت المملكة نموذجاً واضحاً للحريري لعملية إعادة ترتيب قائمة علاقاتها بالقوى اللبنانية، بعد استثناء رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، من قائمة زيارات العلولا، ووعد الموفد السعودي بزيارة مدينة طرابلس شمالي البلاد تلبية لدعوة رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، الذي التقاه خلال زيارته بيروت. 

وبقدر ما تعكس تلك الخطوات السعودية المُقاربة الجديدة للساحة اللبنانية، فهي لا تزال تدور في حلقة محاولة التأثير على حلفاء المملكة القدامى الذين فرّقتهم الخيارات السياسية طوال أعوام طويلة، حتى بات مُستبعداً إعادة لمّ شمل تحالف قوى الرابع عشر من آذار، ومواجهة "حزب الله" وحلفائه في أي استحقاق سياسي مُقبل.

وقد بقي "حزب الله" بعيداً عن آثار الخطوات السعودية التصعيدية تجاه لبنان بين عامي 2015 و2017. ولم تؤد خطوات منع سفر مواطني السعودية إلى لبنان وتعليق العمل بهبتين بقيمة أربعة مليارات دولار أميركي لدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، واستقالة الحريري من السعودية إلى إحراج الحزب أو إضعافه. بالكاد اقتنع الحزب بوقف التصريحات المُباشرة التي يُهاجم فيها مسؤولوه، وعلى رأسهم أمينه العام حسن نصر الله، القيادة السعودية بالاسم. 

حتى "إعادة تثبيت التزام القوى اللبنانية بسياسة النأي بالنفس" التي شكّلت عنوان قرار الحريري العودة عن الاستقالة التي أعلنها من الرياض، لم تتعد كونها حبراً على ورق، مع استضافة "حزب الله" لقادة فصائل "الحشد الشعبي" العراقي واستمرار انتشاره العسكري في سورية وفق مقتضيات رؤيته للوضع الميداني هُناك.



وقد تلقّى الحريري خلال الأشهر الماضية مجموعة رسائل سعودية تُعبّر عن حالة عدم رضى على الواقع الحالي في لبنان، منها دعم "المبادرة الوطنية" التي شكلها مُستقلون ومُفكّرون كانوا منضوين ضمن تحالف الرابع عشر من آذار، إضافة إلى الرسائل السياسية التي وجهتها وسائل إعلام قريبة من المملكة، والتي نقلت أجواء عن "مصادر سعودية رفيعة" تنتقد خيارات الحريري الإنفتاحية تجاه قوى إقليمية ودولية، كتركيا وروسيا.