التمور العربية [4/6]... سماسرة يحرِمون فلاحي تونس ثمرة محصولهم

04 يوليو 2017
السماسرة يحرِمون الفلاح وأسرته من عائد محصوله (العربي الجديد)
+ الخط -

يأمل المزارع التونسي محمد الصغير، في تأسيس الجهات المسؤولة عن القطاع الزراعي في بلاده، ديواناً حكومياً مختصاً بتجارة التمور، تتولى بمقتضاه الدولة شراء المنتوج من المزارعين، عوضاً عن الوسطاء والسماسرة الذين يشترون محاصيلهم بأثمان بخسة، "لا تتعدى دينارين مقابل الكيلوغرام الواحد، فيما يبيعونها بضعف الثمن" كما يقول.

ويُجبر تأمين مصاريف الإنتاج والخشية من تلف المحصول، محمد الصغير، على بيع محصول مزرعته التي تضم 100 نخلة في واحة توزر الصحراوية، بالسعر الذي يحدده الوسطاء، خاصة أنه وزملاءه الفلاحين لا يملكون معدات تخزين وتبريد مثل تلك المتوفرة لدى كبار التجار والموزّعين، وفق ما أكده 4 من منتجي التمور في ولاية قبلي وواحة توزر الكائنتين في جنوب تونس.

وينتظر الفلاح لحظة بيع محصوله من أجل سداد نفقاته، إذ يقضي سنة كاملة في العمل والاعتناء بواحة التمور (اسم يطلق على مزارع التمور في تونس)، وينفق خلال تلك الفترة ما بين 60 دينارا (توازي 24 دولارا) و80 دينارا (32 دولارا) على النخلة الواحدة، التي تحتاج إلى مصاريف تسميد ومداواة وتغليف العراجين (عناقيد التمر) من أجل حمايتها، بحسب إفادات منتجي التمور، الذين لم ينسوا إضافة نفقات مياه الري وتكاليف اليد العاملة التي تصل إلى 30 دينارا للعامل الواحد في العام.


إنتاج التمور في تونس

يعمل 60 ألف فلاح تونسي في إنتاج التمور. وتتوزع المساحة المزروعة بالنخيل على 41 ألف هكتار (وحدة مساحية تساوي 10.000 متر مربع)، في مناطق توزر وقبلي وقابس وقفصة، الواقعة في الجنوب التونسي، خصوصا في جهة الجريد والصحراء الغربية. وتساهم محافظة قبلي بـ60 في المائة من الإنتاج الوطني للتمور، تليها توزر بـ23 في المائة، ثم قابس بنسبة 12 في المائة، وقفصة بنسبة 5 في المائة، وفق ما كشفته المسؤولة عن المركز الفني للتمور في قبلي، (حكومي تشرف عليه وزارة الفلاحة التونسية)، نهى بن عمار، لـ"العربي الجديد".

ويبلغ العدد الإجمالي للنخيل في تونس 5.4 ملايين نخلة، منها 3.55 ملايين نخلة من صنف دقلة النور، أو "سيدة التمور" كما تُلقب، لكونها أحسن أنواع التمور منظراً ومذاقاً، بمعدل 65 في المائة من النخيل التونسي. كما يوجد 1.85 مليون نخلة تشمل عدة أصناف أخرى مثل الفطيمي والكنته والقندة والمناخر، أو ما يسمى بدقلة الباي والكنتيشي والقصبي، بحسب أحدث إحصائيات المركز الفني للتمور.

وتؤكد نهى بن عمار، أنّ عدد النخيل المُنتِج في تونس يصل إلى 4.2 ملايين نخلة، منها 2.65 مليون نخلة من صنف دقلة النور، بينما يساهم قطاع التمور بـ6 في المائة من القيمة الإجمالية للإنتاج الفلاحي، وبنسبة 19 في المائة من القيمة الإجمالية للصادرات الفلاحية، بمعدل سنوي يصل إلى 400 مليون دينار (162 مليون دولار).


وتحتل تونس المركز الأول عالميا من حيث قيمة المبادلات التجارية في قطاع التمور، إذ بلغت كميات التمور المصدّرة، منذ بداية الموسم في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016 وحتى 8 مايو/أيار من عام 2017، نحو 87 ألف طن، بقيمة 453.6 مليون دينار، في مقابل 80.6 ألف طن، بقيمة 345 مليون دينار، خلال نفس الفترة من الموسم الماضي، وفق ما أدلى به لـ"العربي الجديد"، طارق تيرة، المسؤول في المجمّع المهني المشترك للغلال والخضر (هيكل حكومي يتبع وزارة الفلاحة ويهتم بصادرات التمور).

وتصدّر تونس تمورها إلى 80 بلدا، منها المغرب، الذي يعتبر الوجهة الأولى لصادرات التمور التونسية بـ22 ألف طن، ثم ماليزيا التي تحصل على 6.9 آلاف طن، ثم فرنسا والتي تستورد 6.4 آلاف طن من، ثم إيطاليا والتي تستورد 6.3 آلاف طن، ثم إندونيسيا بـ5.4 آلاف طن، وفق إحصائيات حديثة للمجمع المهني صدَرت في 9 مايو 2017.

ويبدأ موسم التمور في تونس في شهر سبتمير/أيلول ويستمر حتى شهر يونيو/حزيران من كل عام. وشهد الإنتاح تطورا كبيرا، إذ بلغ 242 ألف طن في موسم 2017/2016، بينما كان في الموسم السابق (2016/2015)، 241 ألف طن، وفي موسم 2015/2014 تم إنتاج 223 ألف طن من التمور، وفق أحدث إحصائيات المركز الفني للتمور. ولكن ظلت منظومة الإنتاج تراوح مكانها، إذ لم تتحسن أوضاع أصحاب الواحات، وفق ما يؤكده مختصون في المنظومة الإنتاجية والإشرافية على قطاع التمور.


إنتاج تونس من التمور يتزايد عاما وراء عام (العربي الجديد)



أزمة تسويق التمور في تونس

يبدأ الوسيط المختص بشراء التمور في ولاية قبلي، البشير البكيري، في شراء محاصيل الفلاحين وهي لا تزال في العراجين، وتسمى العملية بـ"التخضير". ويوضح البكيري أن صغار التجار يشترون التمور مباشرة من الفلاح، ثم يجمعها منهم وكلاء أكبر، والذين يسلّمون بدورهم البضاعة إلى كبار المروّجين.

ويؤكد البكيري، الذي يملك مصنعا لتصدير التمور، أنّ أغلب الوسطاء يشترون التمور بنفس السعر تقريبا، أي في حدود دينارين أو ثلاثة دنانير للكيلوغرام على أقصى تقدير، وهو السعر الأرفع الذي يحدده الوسيط إذا كانت التمور ذات جودة عالية، مبينا أنهم ينفقون مصاريف على نقل وفرز وتعليب التمور في علب توفرها مصانع تونسية أو إيطالية.

ويرى البكيري أن تذمّر الفلاحين من انخفاض سعر بيع منتوجهم مبالغ فيه، مُرجعا أسباب هذا التذمر إلى رغبة أصحاب الواحات في الحصول على منح تشجيعية من الدولة، مشددا على أن السوق يجب أن تبقى حرة خاضعة للعرض والطلب.

من جانبه، يضيف الوسيط المختص بشراء التمور، علي المسعودي، إلى ما قاله البكيري، أن التمور التي يتسلمها من الفلاح لا تكون جيدة دائما، إذ يوجد في كل علبة ما بين 10% إلى 20% من التمور لا تتطابق مع معايير الجودة التصديرية المطلوبة، وبالتالي يتم إعادة فرزها واختيار الجيدة للتصدير واستبعاد الأخرى وبيعها بثمن قليل في السوق المحلية.

ويرفض الوسيطان البكيري والمسعودي فكرة إنشاء ديوان للتمور، مؤكدَين أنه لا يمكن لهذه التجربة أن تنجح، لأن الفلاح "متعطش للمال ويرغب في سداد نفقاته بأسرع ما يمكن، وهو ما يدفع البعض إلى بيع تموره وهي لا تزال في العراجين، كما أنه يربح ما يكفي من وجهة نظرهم، إذ يشتريان منتوج النخلة بمبلغ يتراوح بين 25 و50 دينارا، وهو هامش ربح مضمون، حتى بعد خصم نفقات التسميد والعناية التي تصل إلى 15 دينارا للنخلة الواحدة" كما يعتقدان.

لكن رئيس جمعية نخلة (تأسست في دوز جنوب تونس في أيلول/سبتمبر 2011 بهدف التشجيع على حماية النخيل)، المهندس الفلاحي أحمد الدائم، يؤكد أن ما يدّعيه الوسطاء بأن الفلاح يحقق أرباحا عن كل نخلة في واحته غير صحيح، إذ يتغاضون عن عمل عائلته وأبنائه الذين يشاركونه العمل الفلاحي طيلة العام؟ متسائلا "ألا يحق لهم الانتفاع؟ أم أن عليهم أن يجوعوا طوال العام لكي تنتفخ بطون السماسرة والوسطاء، الذين يعملون في تنظيم محكم، إذ يوجد بينهم حيتان صغيرة تترصد المنتوج وتشتريه من الواحة، وحيتان متوسطة تجمع التمور من المجمّعين في القرى والأرياف ثم توزعها على كبار التجار والمصدرين، وبالتالي يبقى الفلاح دائما رهين الوسطاء.



الحلقة الأضعف في قطاع التمور

يختلف رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة في قبلي، توفيق المدني، مع ما يراه الوسيطان البكيري والمسعودي، فيما يتفق في الوقت ذاته مع المهندس أحمد الدائم، في أن الفلاحين يُعدون الحلقة الأضعف في قطاع التمور، قائلا "طالما أن الدولة لا تتدخل لتنظيم القطاع فإن الوسطاء سيواصلون تدخّلهم وسيطرتهم على السوق".

ويضيف، في إفادته لـ"العربي الجديد": "لا يحترم الوسطاء، السعر المرجعي الذي تحدده في كل موسم، اللجنة المشتركة التابعة للمجمع المهني المشترك للغلال، باتفاق بين المصدرين والمنتجين، وكذلك سرعان ما يرضخ الفلاح للوسيط حتى يبيع تموره، خاصة إذا كان الإنتاج في ذروته".


وتم إقرار السعر المرجعي بقيمة تتراوح بين دينارين ودينارين ونصف للكيلوغرام في موسم 2016 و2017، وفق ما أشار إليه توفيق المدني، والذي يؤيده نائب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، عادل المسعودي، فيما ذهب إليه. مشيرا إلى أن الوسطاء سيواصلون الانتفاع من عائدات قطاع التمور طالما أن الفلاحين هم الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، لأنهم لا يملكون الأموال الكافية للاستثمار في منتوجهم والحصول على عوائد عادلة من ورائه.

ويضيف المسعودي أن الدولة عليها تنظيم طرق توزيع التمور، حتى لا تبقى بيد وسطاء وسماسرة التوزيع الذين يتحكّمون في القطاع، مشيرا إلى أن الدولة قامت ببعض المجهودات من خلال إنشاء شركات تعاونية بهدف جمع أصحاب الواحات، ولكن هذه الخطوات غير كافية.

ويذهب المسؤول في اتحاد الفلاحة إلى أن القوانين الموجودة مكبلة للقطاع ولن تساهم في تطويره، في ظل عدم قدرة الفلاح على الاستثمار والتصدير. في الوقت الذي يطالب فيه أهل المهنة بتطوير قطاع التمور، وأن يمسك أصحاب الواحات بزمام إنتاجهم من خلال فرز وتعليب منتوجهم بأنفسهم، وهو ما يراه رئيس جمعية نخلة حلا لمواجهة المضاربين والوسطاء، بعد أن عرفوا كيف يُحكمون قبضتهم على الفلاح من خلال استغلال حاجته إلى المال، إذ يقدم بعضهم المال له قبل أن ينطلق موسم جني التمور. وتابع في تصريحاته لـ"العربي الجديد": "الفلاح بمقدوره جني أرباح أكبر من خلال صناعة عدة منتجات من التمور، مثل المربى والمشروبات وغيرها من الصناعات، والتي تعتبر عائداتها أكبر، وهو ما يقتضى من الفلاح الاعتماد على نفسه وإنشاء شركات تحافظ على ديمومة القطاع، وأن يبتعد عن الحلول السهلة القائمة على عقلية البيع للوسطاء".

دلالات