الاحتجاز السياسي بلطجة خاسرة

17 يناير 2018
+ الخط -
على الرغم من تكرار فشلها، إلا أن البلطجة السياسية لدول حصار قطر، بمختلف أشكال هذه البلطجة، مستمرة. وما تم من إمارة أبوظبي، منذ تزعمها جريمة قرصنة وكالة الأنباء القطرية في مايو/ أيار الماضي، مرورا بالفبركة واختلاق الأكاذيب، هو استكمال لهذه الدراما التي واصلتها بادّعائها اعتراض قطر طائرة مدنية يوم أول من أمس الاثنين، والذي كذّبته ونفته قطر، كما نفته القيادة الأميركية المركزية في قاعدة العديد في قطر، والتي لم تتلق أي تقارير عن اعتراض مقاتلاتٍ قطريةٍ أية طائرة مدنية إماراتية في أجواء الخليج، حتى تزعم غيره مجدّدا.
التصعيد الحالي من إمارة أبوظبي متوقع سلفا، خصوصا أنها من أدار أوركسترا الحصار، ومقاطعة قطر، بل تزعمت إدارة الإعلام السعودي، فيما لم يشهد له مثيل هذا مع احترافها سل طرفها، في بداية الأزمة، كما يقول المثل الشعبي "كما تسل الشعرة من العجين"، من مجريات الأمور وزجّ الجزيرة الصغيرة (البحرين) قرن استشعار أو فرقة استطلاع، مقدمةً لأي فعل مسبق يتم أخذ قرار فيه ضد قطر... والتحكم في الإعلام السعودي، بل ومستشاري ولي العهد الجدد، ومن تبعهم بغير إحسان، وزجّ المملكة في صراع مباشر مع قطر، يدار من أروقة أبوظبي السياسية، وأبواقها الإعلامية ولجانها الإلكترونية، ليس لإحداث صراع سياسي مع قطر فحسب، بل لتقسيم المنطقة برمتها، بما فيها تفتيت المملكة، فيما يخدم مصالح أبوظبي والخطة الصهيونية المحكمة التي فاحت رائحتها، ووجدت لها متنفذين ذوي أجندات سياسية.
لم يعد الكذب، بل الفجور السياسي، خافيا... والهدف منه ليس التلاعب بالرأي العام الدولي 
فحسب، بل وتضليل الرأي العام الإماراتي المحلي قبله أيضا، خصوصا أن الشعب الإماراتي تم تعتيمه بحجب كل الوسائل الإعلامية غير المرغوبة من حكومة بلاده عنه. بل تم حجب قناة الجزيرة وسواها حتى عن المؤسسات الإعلامية والقنوات التي تنطلق إدارة عملياتها من مدينة دبي للإعلام والفنادق السياحية ومنع اللاقطات (الدش) وعدم إمكانية وصولهم إلى أي قناة إلا بموجب ترخيص رسمي، وفي أضيق الحدود، فيما يشكل قمعا إعلاميا دوليا فوق القمع السياسي الشعبي، وتضييق الوصول السهل إلى المعلومة، واستقاء الحقيقة، أيا كان مصدرها، من المصادر كافة، كما تنص عليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الكذب على الرأي العام المحلي بنشر الافتراءات، وتقييد النشر الإعلامي وحجبه، استقواء في القمع، حتى لا يسمع الشعب سوى صدى حكومتهم في ادّعاء انتهاك قطر طيرانا مدنيا لشيطنة قطر، بسياسة دحض الحقائق ونشر الأكاذيب، لتمييع قضية انتهاك أبوظبي الصارخ قطر من خلال اختراق مقاتلات لها المجال الجوي القطري في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ومن ثمّ في يناير/ كانون الثاني الجاري، وتقديم قطر شكوى رسمية لمجلس الأمن، عبر مندوبها الدائم في الأمم المتحدة في محفلٍ رسمي، فالتغطية الكاذبة على الاختراق الذي قامت به إنما هو تضليل إعلامي يحمل بعديه الدولي والداخلي المحلي، لتعتيم الحقيقة الانتهاكية العدوانية لدولة الإمارات، فيما يخرق أبجديات القانون الدولي، ولتشتيت الرأي العام الدولي.
هذا في شأن دراما الطيران، أما في التلاعب بالضيوف، فهو فن في "الاحتجاز"، أعني البلطجة السياسية، فيما لا يعدّ فقط من نقائص المروءة، فيما ينافي شيم العرب مع الضيوف، بل يعدّ منافيا للأعراف والمواثيق الدولية، كما حدث للمستخدَم القطري، عبدالله بن علي آل ثاني، الذي تلاعبت به وبورقته دول الحصار، للتحريض على دولة قطر، فيما لم تنجح مساعيهم فيه، منذ راهنوا على تسميته رمزا للمعارضة، فحرّكوه دميةً، لتزكيته حاكما بديلا لإطاحة حكومة 
قطر الحالية ففشلوا. ومن ثم محاولة دول الحصار التخلص منه، بعد أن أصبح عبئا عليها، بمحاولة استفزاز قطر، بنشر فيديو مسجّل له متحدثا عن احتجاز ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد، له بعد حلوله ضيفا عليه وعنده، وتحوله إلى محتجَز، وخوفه من حدوث مكروه له، وإلقاء اللائمة على قطر، في جمل تم انتقاؤها له بدقّة لتصعيد الدراما، مع التفنن في وضع خلفية بـ "صوت عصافير مغرّدة وهو داخل مجلس" لا تتناسب، لا هي ولا نبرة صوته، ولا حتّى تعابير وجهه "لغة الجسد" مع مضمون حديثه في وضعية "محتجز"، فيما يعزّز الاستخدام الضليع له من أبوظبي بإملاءات أنشئت خصيصا لنشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما بدا فيه المنتج والمخرج والناشر واحدا، في تكرار لمسلسل الاحتجازات أوراقا سياسية مكشوفةً وخاسرةً سلفا، خصوصا أنه كان رهينة مستخدمةً سياسيا في يد المملكة، وفي ضيافتها أو صناعتها، سوى بتسميته وسيطا للحج القطري الذي لم يتم، فضلا عن ترويجه معارضا بإنشاء حساب خاص له على "تويتر" قد تم، وكان يديرونه، ولم يتم تحديثه منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. فأين كان عبدالله بن علي قبل أن يحل ضيفا على محمد بن زايد؟ وماذا حدث بينه وبين المملكة لكي يطلب الاستجارة بالإمارات؟ وممّن يستجير؟ وهل استجار من الرمضاء بالنار؟
لعمري إنه لأمر خاب فيه مكرهم، باستغلاله في الكيد السياسي بقطر، لأنه يسيء للمضيف قبله! كما خاب مكرهم في مظنّة اتخاذه مقايضةً سياسيةً، خصوصا أن الدبلوماسية الفذّة استطاعت، وبجدارة، كشف خبث سياسة إمارة أبوظبي، بعد أن لجأت لفعلتها تلك، لاستفزاز دولة قطر، بعد اختراق الطائرات مجال قطر الجوي ورصد الشكوى في الأمم المتحدة. وكما بدا واضحا أيضا قيامها بذلك، بعد تصريح وزير خارجية قطر، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن سبب الأزمة مع الإمارات هو رفض دولة قطر، منذ 2015، تسليم زوجة معارض إماراتي ليس عليها أي جرم في ملف جنائي، أو أمني، كانت قد لجأت لقطر، ولم تسلّم قطر "امرأة غير مدانة بجرم"، عملا بالعرف القانوني الدولي، والدستور القطري، وأخلاق العرب وتقاليدهم وشيمهم، فيما تفهمته الحكومة السعودية آنذاك في ظل ولي العهد السابق، محمد بن نايف، وأشادت به موقفا أصيلا لقطر في المروءة، وفيما جاء على لسان ولي عهدها الحالي، محمد بن سلمان، وامتدحه بالعامية وقتها بقوله "بيض الله وجهك"، في اختلاف شاسع بين موقفي قطر والإمارات، فيما بدا تناقضا صارخا بين موروثات الشيم العربية الأصيلة بين عربٍ خلّص تجير نخوةَ وعرب في شيمها ليست عاربة ولا مستعربة، بل انتهى بها مطاف موروثات الجزيرة العربية إلى خيانات بني قريظة، أو ما عرف أنه رجس من عمل الشيطان، ربما يعجز الشيطان نفسه عنه.
Twitter: @medad_alqalam
36E7A5AB-5C4F-4CC3-A27F-F8C022C765BC
36E7A5AB-5C4F-4CC3-A27F-F8C022C765BC
مريم الخاطر

كاتبة وباحثة قطرية، دكتوراه في أثر الإعلام الجديد "الاجتماعي" على التحولات السياسية في منطقة الخليج العربي. متخصصة في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية. محاضرة في جامعة قطر، لها عدة مؤلفات.

مريم الخاطر