"كامب ديفيد".. أين فلسطين؟

19 مايو 2015

ملصق لـ (حافظ عمر)

+ الخط -
عبثاً ستبحث، إن بحثت، عن خبر، أو مجرد إشارة، إلى أن قمة كامب ديفيد التي جمعت الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وقادة دول الخليج، قد ناقشت، بجد، مسألة ما كان يُسمى، يوماً، الصراع العربي الإسرائيلي، أو وضعته على جدول أعمالها، أسوة بالصراع في (وعلى) اليمن وسورية، وإلى حد ما العراق، ناهيك عن ملف إيران النووي، وملف "مكافحة الإرهاب". 
لا يخلو الأمر، بالطبع، من تصريحات أطلقها أوباما، وقادة خليجيون، بعدما انفض جمعهم، أو على هامشه، وتحدثوا فيها عن "حل الدولتين"، وضرورة قبول إسرائيل "مبادرة السلام" العربية، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وما يشبه ذلك من كليشيهات، اهترأت، وصارت أسمالاً بالية، أوهى من أن تستر عورات المتلحفين بها، سواء من الدول الكبرى التي تخطف المجتمع الدولي، أو من الأنظمة العربية مسلوبة الإرادة، بما فيها، بل في مقدمتها، السلطة الفلسطينية نفسها.
ولكيلا يسارع مؤيدو ديكتاتوريات الإبادة الجماعية التي ترفع شعار "المقاومة والممانعة" إلى الإمساك بهذه النقطة، ليقولوا "أرأيتم موقف ملوك وأمراء الخليج على حقيقته"، أجدني مضطراً للقول، سلفاً، إن تهميش القضية الفلسطينية جاء محصلة طبيعية، لعجز تراكمت نتائجه على مدى عقود طويلة من الزمن، ومسؤوليته لا تقع على عاتق هؤلاء القادة الخليجيين، وحدهم، بقدر ما يتحملها النظام الرسمي العربي كله، وخصوصاً أولئك الذين تاجروا بفلسطين، وأشبعوها جُملاً ثورية جوفاء، وكدسوا السلاح، على اختلاف أنواعه، بزعم استخدامه لتحريرها، ثم شاهدناهم، يستخدمونه لقتل شعوبهم، ومواصلة الحجر عليها، في قماقم الفقر والذل والعبودية والهوان، متعاونين، مع إيران، ومخططاتها التوسعية القائمة على ترويج الفتن المذهبية واستثمارها.
ذهب زعماء دول الخليج إلى كامب ديفيد، ذي التاريخ الأسود، مدفوعين بالقلق من الأطماع الإمبراطورية الفارسية، بعدما بلغت حد إشعال الحرائق عند تخوم بلدانهم، وبعدما حقق ملالي طهران ما حققوا من النفوذ، على شواطئ البحر المتوسط، وعلى ضفاف النهرين، دجلة والفرات، في وقت أوشك فيه المجتمع الدولي على أن يقرّ لهم بحق امتلاك القدرات النووية، فكان من غير المفاجئ، والحال هذه، أن تنزاح فلسطين وقضيتها، عمداً، لا سهواً، عن جدول أعمال القمة، وأن تنحدر، إلى مستويات دنيا، من سلم الاهتمام العربي والدولي الذي باتت تتصدر درجاته العليا قضايا "الإرهاب في الشرق الأوسط" بعنوانها الأبرز؛ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش".
ولو أن القادة الخليجيين عادوا بإنجاز واضح، وذي بال، من لقاءاتهم مع أوباما، إنْ في شأن قلقهم من مشروع إيران النووي، أو في شؤون اليمن وسورية والعراق، لكان من السهل اتهامهم، الآن، باقتراف مقايضة مع الإدارة الأميركية، سيدفع الفلسطينيون ثمنها، على غرار ما حدث يوم أطلق ولي العهد السعودي (الملك لاحقاً)، عبد الله بن عبد العزيز، مبادرته الشهيرة التي تبنتها قمة بيروت عام 2002، وصار اسمها "مبادرة السلام العربية"، نظير تراجع واشنطن عن دعواتها للإصلاح في بلدان المنطقة.
الطامة الكبرى، هنا، أن فلسطين تحصد الخسائر الصافية، بتشتت شمل العرب، واختلافهم مع البيت الأبيض، مثلما حصدتها، في زمن تآلفهم، مع بعضهم بعضاً، تحت رعاية الإدارات الأميركية المتعاقبة، وذاك أمرٌ، يحيل إلى قسط وافر من المسؤولية عن تهميش القضية الفلسطينية، يتحمله، أيضاً، الفلسطينيون أنفسهم، وقيادتهم على نحو خاص، لأنها رهنت إرادتها السياسية للعجز العربي، وراهنت على السلام خياراً استراتيجيا وحيدا، في مواجهة جنوح إسرائيل المتزايد، نحو العدوان، وقلصت دورها التاريخي المفترض، ليقتصر على استجداء المساعدات، وجباية الرسوم الجمركية، وما شابه من وسائل بقاء، صارت هي ذاتها، وسائل فساد، بأرذل معانيه المالية والسياسية.
EA99C928-BF02-4C77-80D6-9BE56F332FDE
ماجد عبد الهادي

صحفي وكاتب فلسطيني